الإرهاب في الساحل تداعيات الأزمة الليبية. رؤية جزائرية

بقلم: كمال بوعافية

تشهد الساحة السياسية و العسكرية في ليبيا أزمة حقيقية في ظل غياب توافق سياسي واضح حول المرحلة القادمة مع استمرار تصاعد التهديدات الإرهابية الخطيرة ، و تلميح الدول الكبرى لتدخل الميدان في ليبيا بغية محاربة “التنظيمات الإرهابية” و استعادة الاستقرار، رغم أن هذا التدخل لن يكون له هدف واحد متمثلا في القضاء على التنظيمات الإرهابية بل ستكون له أهداف أخرى تصب في مصلحة الدول الكبرى في إطار تقسيم الكعكة. إذ لا يخفى على أحد أن الدول الغربية  تستخدم الإرهاب كسلاح غير مباشر لتنفيذ أجنداتها و الضغط على الدول لكسب المزيد من التنازلات التي تصب في مصلحتها فالحرب على الإرهاب أصبحت اليوم بعبع أو تصريح مضمون دون حساب للدول الكبرى لتتدخل في أي بقعة في العالم.

ولا شك أن هذا التدخ201228131135450580_20ل باسم الإرهاب قد يجر الدولة الجارة إلى فوضى جديدة تنعكس نتائجها على الأمن في منطقة الساحل بصفة عامة  و على الأمن القومي الجزائري بصفة خاصة رغم امتلاك الجزائر للمناعة اللازمة ضد الإرهاب في شكله المتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” سواء من خلال الخبرة الأمنية أو من خلال غياب الولاء المعلن لهذا التنظيم داخل المجتمع الجزائري ، يلاحظ أن هذا  التنظيم تراجع بشكل ملحوظ في ليبيا و سوريا مؤخرا و تزامن هذا مع نوع من التوافق الأمريكي الروسي فيما يخص النزاع  في سوريا وكذا  إعلان حمزة بن لادن عودة القاعدة للجهاد العالمي في خضم تصاعد الأزمة في ليبيا و تزايد احتمال التدخل الدولي الميداني، و هو ما يحيل إلى  الكثير من التساؤلات و علامات الاستفهام التي أعتقد أنها جديرة بالدراسة و التوقف عندها سيّما هذا الإعلان و تفحص حيثياته و انعكاساته في هذا الوقت بالذات على المنطقة و على الأمن القومي الجزائري .

كل هاته التفاصيل تصب في إطار  الإشكالية التالية :

 كيف سيؤثر المشروع الجديد للقاعدة  على الأمن و الاستقرار الوطني “الجزائري” ؟

يعتبر تنظيم القاعدة من أكثر التنظيمات الإرهابية التي نشطت ولازالت تنشط في المنطقة المغاربية و تعود جذورها للجهاد العالمي المعلن أثناء الحرب السوفياتية في أفغانستان، في تسعينيات القرن الماضي و الذي التحق به ألاف الجزائريين الذين عادوا لاحقا إلى الجزائر لتأسيس الجماعة المسلحة التي كانت اداة غربية للعنف في الجزائر ما يؤكد أن لهذا التنظيم قابلية التوغل في المجتمع الجزائري خاصة و أن الجماعات المسلحة التي استفادت من المشروع الوطني للرئيس بوتفليقة  مازالت هي الأخرى تنشط بشكل أو بآخر داخل الجزائر ،في مقابل الصورة النمطية التي رسمتها ” داعش” بتبنيها للعنف المفرط في فكر الجماعات الإسلامية في الجزائر ستكون للقاعدة الجديدة قابلية أكبر لدى فكر هذه الجماعات و أداة ناجعة لتنفيذ مشاريع الدول الغربية في المنطقة .

1/ الخلاف بين القاعدة و داعش:ansar-azawad

تعتبر داعش مشروعا إرهابيا ظهر نتيجة لفشل الدولة في منطقة الشرق الأوسط بيد انها تختلف عن القاعدة في الأساليب و الوسائل والأهداف ، فالهدف الذي جاءت به القاعدة هو الجهاد العالمي ضد الغرب و الأنظمة العربية التي تحسبها أنظمة موالية “للغرب الكافر”و أهدافها موجهة لضرب المصالح الغربية في الدول العربية كما أنها لا تملك دولة.

في حين أن داعش تعتبر أنه من الضروري إعلان الخلافة و مواجهة المشروع الصفوي في العراق و الشام كما يصفونه إضافة إلى تطبيق الشريعة بصورة يرونها  و يرفضون التفاوض مع أي جهة كانت حتى التي تتبنى نفس الفكر و المقصود هنا بالقاعدة أو جبهة النصرة او غيرها من التنظيمات الإرهابية ، هذا أسّس لخلاف كبير بين جناحي القاعدة في منطقة الشرق الأوسط و أدى إلى الإقتتال بينهما.

في ظل غياب قيادة تملك الكاريزما لتسيير هذا التنظيم ،حيث أن هذا الخلاف ليس جديدا بل منذ بيعة الزرقاوي لبن لادن وصولا إلى “إعلان الدولة”، فأجندة القاعدة تهدف منذ الإعلان عن تأسيس “الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين” عام 1998إلى قتال الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا باعتبارها حامية للأنظمة العربية الاستبدادية، وراعية لحليفتها الاستراتيجية إسرائيل المغتصبة لفلسطين من جهة، والسعي لتطبيق الشريعة وإقامة الخلافة من جهة أخرى(1) و حاول الزرقاوي إنشاء دولة العراق لكن قوة القيادة و الكاريزما التي كان يتمتع بها بن لادن مكّنته من إنهاء الخلاف ليطفو من جديد بعد موت القائدين ، بتمرد الفرع العراقي للقاعدة على القيادة المركزية للتنظيم بزعامة الظواهري.

جاء إعلان أبو بكر البغدادي أمير “الدولة الإسلامية في العراق” في التاسع أفريل 2013 عن ضم “جبهة النصرة” في سوريا إلى دولته لتصبح “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، تتويجا حتميا  للخلافات التاريخية بين الفرع والمركز والتي تم احتوائها إبان زعامة بن لادن (2)، إلى إنهاء ارتباط جبهة النصرة بتنظيم داعش ، هذا انعكس على التنظيمات الأخرى في عدة مناطق من العالم و منها شمال إفريقيا و منطقة الساحل ، فنلاحظ أن التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي قد أعلن “البيعة” لتنظيم الدولة و تراجع عن ذلك و نفس الشيء بالنسبة لبعض الجماعات التي تنشط في ليبيا أو كانت تنشط في ليبيا ، لكن هذا التراجع في هذا الوقت بالذات تزامنا مع إعلان حمزة بن لادن يجب أن تطرح حوله عدة أسئلة ، فليس من الصدفة أن تبرز قوة تنظيم الدولة “داعش” في وقت ضعف تنظيم القاعدة و ما واكبه من أحداث في سوريا، ومنطقة الشرق الأوسط ، وما نشهده من  تراجع قوة تنظيم داعش و انهياره في ليبيا مع تراجع التنظيمات الإرهابية في شمال إفريقيا عن ولائها لداعش في وقت إعلان حمزة بن لادن عن مشروع القاعدة الجديد تزامنا مع تعاظم الخلاف حول الملف الليبي و إمكانية التدخل الدولي .

2/ التهديدات القادمة و سبل مواجهتها:

كما ذكرت سابقا فان هذه التنظيمات أصبحت ذريعة مخيفة تتخذها القوى الدولية للتدخل في أي منطقة في العالم و إن كانت هذه التنظيمات تعلن عن محاربة الغرب إلا أنها تُستغَل إستراتيجيا لتحقيق أهداف غربية ، فالخلاف بين القاعدة و داعش لم يكن مبرمجا في أجندات الدول التي تحارب هذا التنظيم أو تدعي محاربته في سوريا ، لكن يبدو أن التنظيم قد أدى ما عليه و يجب التسريع بالقضاء عليه وتوفير الأرضية الخصبة لنشاط القاعدة الجديد الذي أعتقد أنه موجه خصيصا لمنطقة شمال إفريقيا خاصة مع تراجع قوة داعش في هذه المنطقة ، إن إعلان القاعدة عن مشروعها الجديد في المنطقة قد يؤسس لتنظيم عالمي جديد يمهد بشكل سلس للتدخل الدولي في المنطقة و يوجَه لخدمة أهداف إستراتيجية معينة في منطقة شمال إفريقيا خاصة و أن تنظيم القاعدة يملك خلايا نائمة و ماضيا متجذرا في المجتمعات المغاربية مما يجعله صورة مناضرة  لتنظيم داعش قد تأهله ليكون بديل خطير خاصة و أن داعش لا تملك نفس قابلية التغوغل التي يملكها هذا التنظيم الإرهابي بحكم التجربة التاريخية، إضافة إلى أن أنصار الشريعة في تونس لم يعلن الولاء لداعش و استمر على نهج القاعدة ،و كما يدرك الجميع فان هذه الدول الغربية التي تنشط اليوم في ليبيا _و هنا أتحدث عن بريطانيا و فرنسا و أمريكا_ اعتبرت القواعد الخلفية للقاعدة فمنذ أحداث العشرية السوداء في الجزائر حصلت هذه الجماعات و غيرها كالجماعة الإسلامية المسلحة على ترخيص لممارسة نشاطاتها الدعوية و كانت تصدر من هناك أي أوروبا مثلا نشرة “الأنصار”و غيرها من نشرات الجماعات الجهادية (2)  و يمكن لنا توجيه بعض التوصيات لمواجهة هذا التهديد المحتمل من خلال النقاط التالية :

1- يجب إعادة بناء النظام الإقليمي بما يتكيف مع التهديدات الجديدة و الأخذ بعين الاعتبار علاقة التداخل أي التأثير و التأثر بين دول المنطقة و بناء إستراتيجية إفريقية محلية برعاية دولية من أجل تجنب الإملاءات الخارجية .

2-دعم حكومة الوفاق في ليبيا و إن اختلفنا معها في الإيديولوجية أو الفكر إلا أن الأمن القومي يبقى فوق كل اعتبار و التنسيق معها في إطار سياسي لتحقيق الاستقرار.

3- تفعيل القوة الناعمة ، الفن و الثقافة و خاصة تفعيل الخطاب الديني المتجدد   قصد التأثير على فئة الشباب في الجزائر لردع هذا الفكر .

4- إشراك الشباب بمختلف انتماءاتهم السياسية و الإيديولوجية في العملية السياسية و تمكينهم من الآليات المناسبة و الاهتمام  بها.

5- إشراك مختلف التيارات السياسية بما فيها المحظورة سابقا في العملية السياسية كما تؤكد ذلك الباحثة في الجماعات المتطرفة Monica Marks من خلال نظرية الاعتدال التي ترى أن اندماج الأحزاب السياسية الراديكالية داخل النظام السياسي سيؤدي إلى اعتدالها.

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *