الاستراتيجية الصهيونية لتفتيت العالم العربي

الحلقة الأخيرة: بقية دول المنطقة في استراتيجية التفتيت الصهيونية

حسن نافعة

 نخصص هذا المقال ، وهو الرابع والأخير من سلسلة المقالات التي حاولنا فيها تقديم قراءة جديدة لدراسة أوديد ينون: “استراتيجية لإسرائيل في الثمانينات Strategy for Israel in the Nineteen Eighties” , للتعرف على موقع بقية دول المنطقة ، خاصة الخليج والمغرب العربيين ، من هذه الاستراتيجبة. وكما سبقت الإشارة ، فقد نشرت دراسة ينون بالعبرية في فبراير 1982 في مجلة تعنى بالشأنين اليهودي والصهيوني تسمى Kivunim, وقام البروفيسور إسرائيل شاحاك ، الناشط الحقوقي الإسرائيلي المعروف ، بترجمتها إلى الإنجليزية ونشرت تحت عنوان “الخطة الصهيونية للشرق الأوسط The Zionist Plan for the Middle East” بعد أن كتب لها مقدمة وخاتمة أكد فيهما على أنها الدراسة الأكثر وضوحا وتفصيلا وتعبيرا عن حقيقة ما يدور في العقل الصهيوني.

قد يبدو لأول وهلة أن الاستراتيجية التي اقترحها ينون ركزت جل اهتمامها على الدول المجاورة لإسرائيل ، خاصة مصر ودول المشرق العربي. غير أن هذا الانطباع السريع سرعان مع يتبدد عند أي قراءة متأنية لدراسة ينون. فالواقع أن الاستراتيجية التي يطرحها في هذه الدراسة تشمل منطقة تمتد من المغرب شرقا حتى أفعانستان غربا ، ومن تركيا شمالا حتى باب المندب جنوبا. صحيح أن ينون يولي اهتماما بمصر ودول المشرق العربي ، غير أن هذا الاهتمام يعود إلى أسباب أمنية واستراتيجية تبدو بديهية. فاستمرار وجود مصر كدولة مركزية متماسكة اجتماعيا ومتطورة اقتصاديا يشكل ، في رؤية ينون ، تهديدا مباشر على أمن إسرائيل في الأجلين القصير والمتوسط ، كما أن تماسك المشرق العربي ووحدته يمكن أن يعوقا مخططات إسرائيل في التوسع جغرافيا وديموغرافيا في منطقة تعتبرها امتدادا عضويا لها وجزء من مجالها الحيوي. وإذا كانت بقية الدول العربية والإسلامية لا تشكل ، من وجهة نظر ينون ، تهديدا مباشرا لأمن إسرائيل على الأمدين القريب والمتوسط ، بسبب بعدها الجغرافي واحتوائها على تناقضات داخلية تضمن انهيارها الذاتي على المدى الطويل ، فإن ذلك لا يتعين أن يكون مبررا لكي تهمل إسرائيل هذه الدول أو تغض الطرف عما يجري فيها وحولها من صراعات.

ولا جدال عندي في أن عين إسرائيل الساهرة كانت وما تزال مثبتة على منطقة الخليج العربي بالذات ، وترى فيها ما تعتبره جائزة كبرى تنتظر أن تسقط في حجرها في نهاية المطاف. فمنطقة الخليج العربي هي ، على حد تعبير ينون ، “بناء هش ليس فيه سوى النفط”. ورغم أن هذه المنطقة تحتوي على “أكبر مستودع للنفط والمال” ، إلا أن المستفيد منه ، كما يقول هو بالحرف الواحد ، “أقليات محدودة لا تستند إلى قاعد شعبية عريضة وأمن داخلي”. وانطلاقا من هذه الرؤية المحددة يميز ينون بين ثلاثة أنواع مختلفة من التناقضات يقول إنها كامنة في بنيتها: أ – فهناك أقليات مذهبية ، سنية في أغلبها ، تتحكم في أغلبية من مذاهب أخرى ، شيعية في المقام الأول أو مختلطة ، كما هو الحال في البجرين والإمارات وعمان وغيرها. ب – وهناك أقليات من السكان الأصليين تتحكم في أغلبية ضخمة من المهاجرين الأجانب الذين يبلغ تعدادهم في بعض بلدان الخليج العربي ما يقرب أو يزيد أحيانا عن 80% من إجمالي السكان.

ج – وهناك جيوش وطنية ضعيفة لا تستطيع تأمين أنظمة الحكم القائمة ضد الأخطار الكثيرة المحدقة بها من الداخل ومن الخارج على السواء ، على الرغم من كميات هائلة من أسلحة حديثة تحصل عليها سنويا من الغرب. وفي رأي ينون فان وجود هذا الكم الكبير من التناقضات الرئيسية ليس له سوى معنى واحد ، وهو أن تكوين هذه الدول قائم على غير أساس وأن شبه الجزيرة العربية خاصة السعودية تبدو معرضة بالكامل لخطر الانهيار تحت وطأة الضغوط والأخطار الداخلية والخارجية ، وأن هذا الانهيار قادم لا محالة سواء استمر الازدهار الاقتصادي الناجم عن النفط أم لم يستمر ، وذلك لسبب بسيط وهو أن الجيوش القائمة في هذه الدول الهشة لا تستطيع أن تضمن بقاءها واستمرارها. أما منطقة المغرب العربي فتعج ، في رأي ينون ، بمتناقضات من نوع مختلف نسبيا. فهناك: أ – تناقضات عرقية بين العرب والبربر في معظم دول المغرب العربي وصلت أحيانا إلى حد الحرب الأهلية ، كما كان الحال في الجزائر على سبيل المثال.

ب – وتحديات عويصة يطرحها تطرف إسلامي بدا واضحا أنه يهدد عددا من أنظمة الحكم القائمة في هذه البلاد (مثل تونس ، والتي كانت في ذلك الوقت تبدو أكثر بلدان المغرب العربي عرضة لتهديد التطرف الإسلامي).

ج – صراعات بينية تتخذ من الخلافات حول ترسيم الحدود بين الدول أو من المشكلات الناجمة عن الإرث الاستعماري (مثل مشكلة الصحراء الغربية) وسيلة أو ذريعة للاقتتال ، وهو ما حدث فعلا بين المغرب والجزائر. فإذا أضفنا إلى هذه الأنواع المختلفة من التناقضات ما تعانيه دول المغرب العربي من مشكلات تقليدية تجتاح دول العالم الثالث ككل ، فالارجح أن لا تتمكن هذه الدول من الصمود وأن تنهار وتتفتت بدورها. تجدر الإشارة هنا إلى أن استراتيجية التفتيت التي طرحها ينون عام 1982 لا تبدو معنية “بالعالم العربي” فقط ، أي بمجمل الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية ، أو حتى بمنطقة “الشرق الأوسط” بمعناها الجغرافي الضيق ، وإنما تعنى بمجموعة هائلة من الدول تشمل ، إضافة إلى جميع الدول العربية بما فيها السودان ، دولا إسلامية كبرى مثل: إيران وتركيا وباكستان وأفغاستان. ليس من قبيل المصادفة هنا أن الدول التي ورد ذكرها بالاسم في دراسة ينون المنشورة منذ ربع قرن تبدو هي ذات الدول التي يشملها مشروع “الشرق الأوسط الكبير أو الموسع” ، والمطروح رسميا على المنطقة من جانب الإدارة الأمريكية منذ إعادة انتخاب بوش لولاية ثانية في نوفمبر عام 2004. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل في الواقع على أن المشروع الأمريكي الحالي لإعادة ترسيم الشرق الأوسط يكاد يتطابق حرفيا مع مشروع التفتيت الإسرائيلي والذي سبق لدراسة ينون أن أفصحت عنه منذ ربع قرن. والسؤال: هل يمكن استخلاص نتائج عامة محددة من هذه القراءة الجديدة لورقة ينون القديمة؟ والجواب نعم: هناك جملة من النتائج والدروس المستفادة أستأذن القارئ في عرضها على النحو التالي: النتيجة الأولى: أن الحركة الصهيونية لم تكن معنية مطلقا في أي يوم من الأيام بصنع سلام حقيقي يقوم على مصالحة تاريجية مع الدول العربية ، وأن مواقفها ، والتي بدت في بعض الأحيان أكثر مرونة من مواقف الدول العربية ، لم تكن في الحقيقة سوى مواقف تكتيكية تستهدف تثبيت مكاسبها ومواقعها عند النقطة التي وصلت إليها كي تتمكن من هضمها أولا قبل الاستعداد لجولة جديدة من العمل السياسي أو العسكري تستهدف فتح الطريق لاستكمال بقية حلقات المشروع الصهيوني بكامله والذي يستهدف قيام دولة كبرى مهيمنة في المنطقة تمتد من البحر إلى النهر.

فقبول الوكالة اليهودية لمشروع التقسيم عام 1947 لم يكن معناه أبدا أن الحركة اليهودية تنوي الاكتفاء بهذا القدر من الأرض. وإبرام إسرائيل لاتفاق الهدنة عام 1949 لم يكن معناه أبدا أنها تنوي احترامه. وقبولها للقرار 242 تم وفق تفسير يفرغه من مضمونه تماما ، ولم يكن توقيعها على معاهدة سلام مع مصر إلا وسيلة لإخراج أكبر الدول العربية من معادلة الصراع مؤقتا كي تتفرغ لإملاء شروطها على الآخرين قبل أن تستدير على مصر مرة أخرى لتستعيد بالقوة ما سبق أن اضطرت للتنازل عنه طواعية لأسباب تكتيكية. وعندما وقعت على اتفاق اوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية ، لم تكن إسرائيل تنوي مطلقا إنشاء دولة فلسطينية مستقلة في حدود متصلة جغرافيا وإنما كانت تستهدف حل معضلة ديموغرافية تواجهها ، بالتخلص من المناطق المكتظة بالسكان وإبقاء الشعب الفلسطيني تحت هيمنتها الكاملة. النتيجة الثانية: تعتمد إسرائيل والحركة الصهيونية في إدارة صراعهما مع الدول العربية على منهج واضح وثابت يقوم على الدعامات التالية:

أ – على إسرائيل أن تعتمد في المقام الأول على قواها وقدراتها الذاتية وأن تعمل على تطويرها بانتظام بحيث تحقق تفوقا نوعيا على كل من تعتبرهم مصدر تهديد لأمنها الوطني.

ب – تدرك إسرائيل أنها بحاجة إلى حلفاء أقوياء لا يمكنها الاستغناء عن خدماتهم ، لكن واجبها يقتضي منها في الوقت نفسه أن ترهن مصيرها أبدا بهم ، وأن تعمل على حمل حلفائها بكل الطرق الممكنة على الاعتقاد دائما بأن كل ما يحقق مصلحة لإسرائيل يحقق مصالحها في ذات الوقت.

ج – على إسرائيل أن تكون قادرة على أن تثبت لحلفائها في كل وقت وحين أنها مفيددة لهم ، وليست مجرد عبء عليهم ، وأن بوسعها أن تقدم لهم من الخدمات ما يوازي إن لم يكن أكبر مما يقدمونه لها ، وبالتالي فإسرائيل في حاجة لهم بقدر حاجتهم لإسرائيل أيضا. النتيجة الثالثة: تعتقد اسرائيل أن كل ما هو عربي أو إسلامي ، وليس فلسطيني فقط ، يشكل تهديدا حالا أو محتملا لإسرائيل. ولذا فهي لا تتوقف كثيرا عند السمة الأيديولوجية للخطاب السياسي لأي دولة عربية أو إسلامية ، لأن ما يعنيها حقا هو ممارسة الأنظمة القائمة لسياسات تتفق تماما مع مشروعها الصهيوني الكبير ولا تعترض طريق تنفيذه بأي حال من الأحوال. فإسرائيل لا تهتم كثيرا بما إذا كانت الدولة العربية أو الإسلامية المعنية ديمقراطية أو غير ديمقراطية ، وطنية أو قومية ، رأسمالية أو اشتراكية ، علمانية أو غير علمانية. ولذلك فإن أي دولة عربية أو أسلامية ذات نظام سياسي قوي أو متماسك ويمارس سياسة مستقلة ، يشكل خطرا حالا أو محتملا ، حتى لو ارتبط معها بمعاهدة سلام أو حسن جوار. النتيجة الرابعة: لم تخترع إسرائيل الاختلافات أو التباينات أو التناقضات القائمة في الدول العربية والإسلامية لأنها موجودة في بنيتها ذاتها. كل ما على أسرائيل أن تحاول أن تفعله هو العمل على تعميق تلك الاختلافات والتبياينات ودفعها إلى مستوى التناقضات الرئيسية وتفجيرها كلما كان ذلك مناسبا لإسرائيل. كما عليها في الوقت نفسه أن تقاوم كل محاولة لحل أو تجاوز تلك الاختلافات تحت أي شعارات كانت: وطنية أو قومية أو إسلامية. في سياق كهذا تبدو استراتيجية التفتيت التي يطرحها ينون منطقية تماما ومتسقة كليا مع النهج الإسرائيلي الذي تمارسه إسرائيل فعلا في إدارة الصراع مع الدول العربية والإسلامية منذ نشأتها حتى الآن ، وهو نهج يمكن التدليل على وجوده واستمراره على الصعيدين المفاهيمي والامبيريقي معا. فلدى إسرائيل عقدة أمنية حقيقية مستعصية على الحل. ولأنها لم ولن تطمئن لأحد غيرها ، ولأنها على يقين أيضا من أنها سرقت ما ليس لها ، فليس بوسعها أن تطمئن إلى أن الضحية يمكن أن يتنازل لها طواعية في اي يوم من الأيام عما سرقه الجلاد ، بل تعتبر مثل هذا التنازل علامة ضعف. ومن هذا المنطلق تعتقد أن عليها واجب إضعاف خصومها وربما سحقهم إلى الأبد إن أمكن. لذلك فالحل الأمثل والذي يحقق لإسرائيل أمنها المطلق هو أن تصبح كل دول المنطقة طائفية أو عرقية أو مذهبية او عنصرية مثلها. ولأن أي دولة من هذا النوع لن تستطيع أن تجاريها في قوتها الذاتية أو في علاقاتها الخارجية فستتحول إسرائيل حينئذ إلى سيدة المنطقة بأسرها بلا جدال وكذلك ضابط الإيقاع المعتمد والمنسق لكل تفاعلاتها. غير أن ما تريده إسرائيل شيء وما تستطيعه شيء آخر. فقد جربت أن تبدأ استراتيجية التفتيت من لبنان اعتمادا على قواها الذاتية وحدها وفشلت ، ثم جربت أن تستخدم نفوذ اللوبي اليهودي لاستدراج الولايات المتحدة إلى العراق على أمل أن يفضي إلى التقسيم ، لكن المشروع الأمريكي هناك يتعثر ويبدو على وشك السقوط.

ومع ذلك فما زال الوضع خطير جدا ويهدد بحروب أهلية في أكثر من مكان في العالم العربي. وما لم يستيقظ هذا العالم من ثباته فقد يستيقظ يوما قريبا ليجد نفسه وسط كارثة أكبر مما يتصور وربما لم تخطر له ببال.

** كاتب عربي مصري

مقالات منشورة في صحيفة الدستور الأردنية – 2007

You may also like...