الجزائر: الفاعل الأكثر أهمية للعب دور رئيسي في إدارة أزمة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

  الكاتب: بيتر كورزن  Peter KORZUN ، خبير في الحروب والنزاعات.

المترجم: صادق حجال، طالب دكتوراه في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر3.

تاريخ النشر: 18/07/2017.

  الجيش الجزائري المرابط على الحدود الليبية والمالية أصبح في حالة تأهب قصوى لمواجهة حالة التسلل من ليبيا ومالي حيث تم تدعيم القوات العسكرية وتكثيف الدورات الجوية، تم اتخاذ هذا الإجراء للاستجابة لحالة التدهور المتزايدة في ليبيا، فالآلاف من المقاتلين الأجانب بما فيهم أكثر من 3500  مقاتل تابع لتنظيم الدولة الإسلامية فروا من القتال في العراق وسوريا والمئات من أفراد بوكو حرام من نيجيريا، هؤلاء يمكن أن يتوجهوا نحو ليبيا، البلد الغارق بالأسلحة والآوي للعديد من الجماعات المقاتلة، وهو الذي يتشارك 700 كلم من الحدود مع الجزائر.

  في 19 جانفي، قامت قاذفتان من نوع  “الشبح B-2” التابعتان لسلاح الجو الأمريكي بقصف معسكرات تنظيم الدولة الإسلامية  في جنوب غرب مدينة سرت الليبية، وذلك بعد من أقل من شهر على إعلان  وزارة الدفاع الأمريكية بنهاية الحملة الجوية هناك، وكانت قد شاركت أيضا  في تلك الضربات الجوية طائرات مسلحة بدون طيار من نوع MQ-9، مستعملةً صواريخ “هيلفاير” لضرب الأهداف المتبقية بعد القصف الأولي، وقد قال الجيش الأمريكي بأن بعض الإرهابيين الذين قُتلوا في تلك الضربات يعتقد بأنهم كانوا يخططون للقيام بهجمات في أوروبا.

   مازالت هناك العديد من تشكيلات تنظيم الدولة الإسلامية متواجدة في داخل الصحراء الليبية، مستفيدةً من فوضى الحرب الأهلية بالبلاد، ومن المحتمل أن تصبح حقول النفط هدفا لتلك التشكيلات.

  رغم خسارة تنظيم الدولة الإسلامية للأرض وتراجعها في كل من العراق وسوريا وليبيا وفي أماكن أخرى، إلا أن الجزائر قد تتعرض للهجوم، ففي أكتوبر عام 2016 أعلن تنظيم الدولة الإسلامية بداية العمليات في الجزائر وفي بلدان أخرى من المغرب العربي، وقد يشكل تسلل الجماعات المتطرفة عاملا مقوضا للاستقرار، فجماعة جند الخليفة وهي فرع من تنظيم الدولة الإسلامية كانت قد بدأت تنشط في البلاد.

  لقد بذلت الجزائر مؤخرا الكثير من الجهود من أجل انفراج المأزق السياسي الليبي، فالعديد من الوفود الليبية الممثلة لمختلف الأفراد والجماعات الليبية قد زارت الجزائر من أجل المشاورات.

    بتعداد سكاني يبلغ 92 مليون نسمة تكون مصر البلد الأكثر كثافة سكانية في شمال إفريقيا والعالم العربي، والثالثة على مستوى إفريقيا والخامسة عشر على مستوى الكرة الأرضية، هي تحارب مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في شبه جزيرة سيناء، وقد تورطت القاهرة في ليبيا بدعمها للجنرال ”خليفة حفتر” وهو زعيم مناهض للإسلاميين ويمثل الحكومة المدعومة دوليا (مجلس النواب)، وعلى غرار الجزائر، تواجه مصر أيضا التهديدات المحتملة القادمة لليبيا، ما قد يجعل الدولتين تنخرطان في تحالف محتمل.

  يمكن للجزائر أن تصطف مع مصر في جهود الوساطة، بحيث للجزائر نفوذا على الجماعات الواقعة في طرابلس، كما يمكن للقاهرة أن تؤثر على الجماعات التي تدعمها في الشرق الليبي، وبدعم من الفواعل ذات الصلة الوثيقة ومن المجموعة الدولية يمكن لهذا الجهد أن يحقق النتائج المنشودة التي لم يحققها أي أحد من قبل، لكن دور الجزائر سوف يكون حاسما لأنه على عكس مصر أو ملكيات الخليج الفارسي، الجزائر لم تكن أبدا طرفا في النزاع الليبي الأمر الذي يجعلها وسيطا صادقا تحظى باحترام الجميع.

  عند زيارته للجزائر  في 7 جانفي 2017، أكد مارتن كوبلر، المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا، بأن ” الدور الرئيسي للدول المجاورة، خاصة الجزائر، في البحث عن حل للأزمة في تلك البلد”، وطبقا له، فإن عام 2017 ” يجب أن يكون عام القرارات من أجل الوصول إلى حل للأزمة التي تهز ليبيا منذ عدة أعوام”، ولا أحد بإمكانه تنفيذ المهمة أفضل من الجزائر، التي سوف تكون المستفيد الأساسي في حال تسوية النزاع الليبي.

   الجزائر لديها خبرة كبيرة في مجال محاربة الإرهاب، فهي خاضت حربها الخاصة ضده في الفترة الممتدة من عام 1991 إلى 2002، وتعتبر الجزائر شريكا متميزا للإتحاد الأوروبي بطول ساحلها البالغ 1.200 كلم وعدد سكانها المقدر بـ 40 مليون نسمة، ومن المخيف حتى التفكير في تدفقات اللاجئين القادمة من هذا البلد إلى أوربا، إلى جانب ذلك، تعتبر الجزائر  المورد الأساسي من النفط والغاز للقارة العجوز، وأي نزاع داخلي فيها سوف تكون له تداعيات عالمية.

  تتعاون الجزائر مع موسكو في المجال الأمني لمنع التهديد الإرهابي، وقامت مؤخرا بشراء 40 طائرة هيليكوبتر هجومية من نوع Mi-28 (صياد الليل) من روسيا، وفي عام 2015 وقعت موسكو والجزائر عقدا لتسليم الجزائر 14 مقاتلة من نوع Su-30MKA، وهو العقد الذي سوف يدخل حيز التنفيذ هذا العام، وفي فيفري 2016 قام وزير خارجية روسيا “سيرغي لافروف” Sergey Lavrov بزيارة الجزائر للتصريح بأن ” روسيا والجزائر كلاهما مقتنعان بضرورة استعادة الدولة الليبية  عبر حوار وطني حقيقي”.

  تتمتع موسكو بعلاقة الصداقة والتعاون الإستراتيجي مع الجزائر والقاهرة، ويمكن لها من أن تستغل وزنها المتنامي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدعم مبادرة السلام، فإقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يمكن أن يتغير جذريا في حالة ما إذا نجحت عملية أستانا والدعم الروسي لمبادرة السلام الجزائرية-المصرية من تحقيق مكاسب.

  خبرة الماضي القريب والتهديد الإرهابي الوشيك، تجعل الجزائر تدرك جيدا الشواغل الأمنية في البلدان الأخرى كسوريا على سبيل المثال.

  كانت الجزائر قد دعمت السيادة السورية منذ بداية العنف هناك عام 2011، وقد عارضت خطوات الجامعة العربية لطرد سوريا من منظمة الوحدة العربية التي هي أحد الأعضاء المؤسسين لها.

   في أفريل قام وزير الشؤون المغاربية والإتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية ”عبد القادر مساهل” بزيارة سوريا، وبعثة “مساهل” إلى دمشق تأتي بعد زيارة وزير خارجية سوريا “وليد المعلم” إلى الجزائر في أواخر شهر مارس، وقد دعمت الجزائر مؤخرا عملية أستانا.

   لقد امتنعت الجزائر بشكل منتظم عن التصويت في جامعة الدول العربية لفرض عقوبات على سورية، كما تتمتع الجزائر بعلاقات جيدة مع أغلب دول الجامعة العربية، وقد لعبت بثبات دورا متوازنا خلال فترات الأزمة بالمنطقة سواء بين الدول العربية أو مع دول شرق أوسطية أخرى، ومؤخرا رفضت الجزائر التورط في الحرب الحالية التي تشنها السعودية ضد اليمن، مفضلةً بدلا من ذلك تطبيق جهود الوساطة خلف الكواليس لإدارة الأزمة.

  باعتبارها دولة مسلمة وسنية أساسا، فإنه لا يمكن اتهام الجزائر بأنها تقف إلى جانب دمشق في إطار  التضامن العلوي أو الشيعي (الاتهام الذي غالبا ما يوجه إلى إيران).

   توسطت الجزائر المحادثات السرية بين سوريا وتركي،ا وذلك قبل إعلان رئيس الوزراء التركي “بن علي يلدرم” Binali Yildirim في أواخر جويلية بأن أنقرة تريد إعادة إقامة علاقات جيدة مع سوريا، الإعلان هو بمثابة انحراف عن السياسية التركية التي أصرت خلال الخمس سنوات الماضية على رحيل الرئيس السوري “بشار الأسد”.

  من الجدير بالذكر هو أن الجزائر كانت هي التي فاوضت من أجل إطلاق الرهائن الأمريكيين المحتجزين في طهران بعد الثورة عام 1979، وهي فعلا قامت بما لا يمكن لأحد آخر القيام به.

  الجزائر هي لاعبا رائدا في الحرب ضد الإرهاب بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي حصنا ضد الجماعات المسلحة المنتشرة في تونس وليبيا ومالي وفي بلدان أخرى بالمنطقة، في حال جعلت عملية أستانا، من أجل التوصل إلى حل للمعضلة السورية، تقدما في مبادرات السلام التي تم إطلاقها لإنهاء الأزمة الليبية، فإن على الجزائر أن تلعب دورا محوريا وأن تنضم للفاعلين الرئيسيين في هذا الجهد، فهي لديها إمكانات دبلوماسية ضخمة ومزايا فريدة تجعلها تبرز كفاعل جوهريا ووسيطا مثاليا قادر على المساهمة بشكل كبير في التسويات السلمية للصراعات الإقليمية.

Source : strategic culture foundation.

You may also like...