الجزائر في مهب التحوّلات الدولية والإقليمية

ما الذّي يمكن أن تُقدمه النظرية ؟

جلال خشيب *
06/11/2012
Djallel Khechib

تمهــــــــــيد :

لقد أحدثت نهاية الحرب الباردة هزّات عنيفة مسّت مستويات متعددة في السياسة الدولية سواء على مستوى عالم الأفكار –العالم النظري- أم على مستوى عالم الوقائع -العالم الحقيقي- ، إذ أدّت الطريقة المفاجئة لسقوط الإتحاد السوفياتي و تفكك المنظومة الاشتراكية إلى تداعيات متباينة مسّت الجانب البنيوي للمجتمعات ، فعلى مستوى بنية النظام الدولي نجد انتقال العالم من النمط الاستقطابي الثنائي الصلب إلى نمط الأحادية القطبية –وإن كانت انتقالية- ذات الدلالات المتباينة رسخت أقدامها مجموعة من الطروحات الأكاديمية النظرية لعل أبرزها ما جاء به المنظّر الأمريكي الشهير فرانسيس فوكوياما في كتابه ذائع الصيت “نهاية التاريخ و الإنسان الأخير” ، مقّرا بأنّ المجتمع الإنساني وجد أخيرا صيغته النهائية لنمط الحياة متمثلة في الليبرالية الغربية ، فخلاصة النظرية أنّ المجتمع البشري لن يكون بعد هذا المنعرج في حاجة إلى نمط جديد من الأفكار ، فالليبرالية الغربية تمثل أعلى مراحل الطموح الإنساني ، لم تكد تخمد زوبعة فوكوياما حتى شهد عالم الأفكار زوبعة أشد إثارة للجدل من الأولى ، تلك التي أثارها أستاذ الدراسات الإستراتيجية صاموئيل هنثينغتون فيما يسمى بنظرية صدام الحضارات ، يزعم هينيغتنون في كتابه “صدام الحضارات و إعادة تشكيل النظام الدولي” أنّ فوكوياما كان متسرعا في طروحاته المتفائلة ، فعجلة التاريخ لم تنتهي بعد و العالم لا يزال متجها صوب الأمام ، فالنزاعات الاثنية ، الحركات الانفصالية وصعود دور الدين وتأثيره في العلاقات الدولية بعد تفكك المنظومة السوفياتية -في مناطق كالبلقان ، القوقاز، شرق أوروبا و كذا إفريقيا- تثبت بما لا يدع مجالا للشك أنّ الصيغة الليبرالية التي بلورها فوكوياما لن تكون بأي حال من الأحوال انتهاءً للفكر البشري في حاجاته النهائية .. لم تكن هذه النظريات و الأفكار الأكاديمية منفصلة عن الإستراتيجية الأمريكية الكبرى في عالم ما بعد الحرب الباردة ، فالحاجة الأمريكية لتثبيت أقدام النظام الدولي الجديد استدعت مثل هذا النمط من الأفكار ، ثم الحاجة إلى عدو جديد يحل محل الإتحاد السوفياتي ويبرر النزعة التدخلية الأمريكية ذات الصوت الأكثر تأثيرا داخل الدوائر الرسمية أو الفكرية ايضا تطلبت شرعية فكرية معينة يمنحها الأكاديميون ، ما يذكرنا بالمقولة الشهيرة لرائد المدرسة النقدية البريطانية روبرت كوكس أنّ : “النظرية دائما ما تأتي لشيء ما و لأجل شخص ما ” ..

ماذا بعد ؟

لا تهدف هذه المقدمة إلى مجرد استعراض ما يطرحه العالم النظري من أفكار بقدر ما كانت تمهيدا تشخيصيا يحاول أن يضع القارئ في صورة تقريبية لهذا العالم الجديد المتشكل ، عالم ينتقل بنا من المستويات التحليلية الدولية الكبرى –بعد طغيان الصراع الثنائي الدولي الأمريكي- السوفياتي- إلى مستويات تحليلة أدنى ترتكز هذه المرة على المستويات الإقليمية و المحلية ، فالنزاعات الإثنية المتفجرة حسب توقعات هينثينغتون أنهت ما يسمى بمفعول الثلاجة و طغت بكثافة على المشهد الدولي بتداعياتها المختلفة ، فلم تصبح بذلك الدولة عنصرا أساسيا مركزيا وحيدا في التحليل و انتقلنا إلى مستويات أخرى ما تحت الدولة –مابين ذاتانية- تمثلها القبيلة مثلا ، كما لم تعد الدولة صاحبت الاحتكار الوحيد لوسائل القهر المادي –السلاح- و هذا ما جعل الدوائر الأكاديمية تولي اهتماما أكثر بهذه المستويات التحليلية و ما أفرزته من تداعيات نظرية و عملية ، و لعل التغير الحاصل في مفهوم الأمن كان احد أهم هذه التداعيات على المستوى التنظيري ، فمع انفراط عقد الدولة و بروز فواعل أخرى غير الدولة –كالقبيلة ، الشركات ، المنظمات الدولية و الإقليمية و حتّى الأفراد ..- خرج مفهوم الأمن من نمطه الصلب المتمركز حول الدولة ، و انتقلنا إلى ما يسمى في الأدبيات الأمنية بالأمن النقدي ثم الأمن الإنساني ، كما انتقلنا أيضا من مفهوم عولمة التهديدات إلى عولمة المخاطر ، فالأول معلوم محدد المعالم يأتي فيه التهديد من الدولة أساسا ، أما الثاني فمجهول غير محدد ، انسيابي هُلامي غير متحكم فيه كتلك الذي تمثله جماعات الجريمة المنظمة ، عمليات الاختطاف ، تهريب السلاح ، المخدرات والإرهاب العابر للحدود والقوميات … و غيرها من الأنماط الهيولية .. أو ما تُسميه روبرت كيوهان بعولمة العنف غير الرسمي وهو “العنف الممارس من قبل الفاعلين غير الدولاتيين –فواعل أخرى غير الدولة- يستفيد من السريّة وعنصر المفاجئة، ليحدث ضررًا كبيرًا، باستعمال قدرات مادية صغيرة وهذا العنف يوصف بأنّه ”غير رسمي” لكونه لا يدبَّر من قبل مؤسسات الدولة الرسمية ، وغالبا ما لا يعلن عنه مسبقًا، كما هو الحال مع إعلان الحرب. هذا العنف يصير معولمًا، عندما تعمل شبكات الفواعل غير الدولاتية استنادًا إلى قواعد عابرة للقارات، وهذا النمط من أفعال القوة في مجتمع ما يمكن أن ينطلق ويُتحكّم فيه من مناطق عديدة من العالم ” .

ما محلّنا من الإعراب ؟

لا يقف المغرب العربي -أو الشمال الإفريقي- بعيدا عن هذه التحولات ، و لا تبتعد الجزائر بدورها عن تلك الآثار .. فنحن نعيش في عالم معولم بكل ما يحمه هذا المصطلح من دلالات واسعة –الانتقال السريع غير المتحكم فيه للمعلومة والسلاح أيضا- .. على ضوء ما سبق كيف يمكن قراءة المناخ الأمني الذي تعيشه الجزائر و المغرب العربي عموما في أيامنا هذه لاسيما بعد موجة الانتفاضات العربية ذات التأثيرات النسبية المتباية على المنطقة عموما ؟

مع نهايات آب من العام المنصرم 2011 ، و على إثر الضربات المتلاحقة التي كان النظام الليبي يتلقاها آنذاك ، نشرنا مقالا تفسيريا لأثر تلك التحولات على الأمن القومي الجزائري ، انتقدنا فيه بشدة ذلك التلكؤ والتردّد الحاصل على مستوى وزارة الخارجية في تعاملها مع الأزمة الليبية بين الحاجة الملحّة التي يفرضها منطق المصلحة والبراغماتية لللتدخل بطريقة ما و بين ما تفرضه العقيدة الأمنية الجزائرية من مبادئ وعلى رأسها مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، فبعد عرض مقتضب للخصائص الجيواستراتيجية التي تتحلى بها الجزائر وأبرز رهاناتها الأمنية بلغنا نتيجة مفادها أنّه وبمجرد تداعي النظام الليبي بتلك الطريقة “فإنّ الجزائرستكون بصدد فقدان عمقها الإستراتيجي ” .. فالعلاقات البينية التي بنتها الجزائر مع النظام الليبي البائد كانت قائمة بشكل كبير على منطق العلاقات الشخصية بدلا من المنطق التي تحدده المصلحة كعامل محدد في السياسية الدولية حسب المنظور الواقعي التحليلي “Real Politik” ، كما التمسنا غياب الرؤية الإستراتيجية الواضحة للجزائر تجاه المنطقة و ما تفرضه من أزمات كان عاملا أساسيا تسبّب في تلك الانتكاسة ، فلا تزال الجزائر تتعامل بمنطق الظرفية التكتيكية ، كما لا تزال تسير على نهجها القديم في تسيير السياسة الخارجية والأمنية القائم على تلك المبادئ الستاتيكية التي أشرنا إليها آنفا “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول” ، فغياب المرونة في التعامل مع الأزمات وطغيان منطق البذلة العسكرية على البدلة الدبلوماسية طيلة السنوات الفارطة جعلها رهنا لهذه للستاتيكية الصلبة –المحافظة على الوضع القائم- ممّا أفقدها حرية المناورة ، وها هو الناتو يقف على حدودها الشرقية ويفرض على الجزائر تهديدات و مخاطر أمنية جديدة كانت في غنى عنها ..

بعد ان أينعت أزهار الربيع العربي في ليبيا و انفرط عقد النظام ، دخلت ليبيا شيئا فشيئا في عداد الدول السائرة نحو الفشل ، و صارت مصدرا لتفريخ المخاطر الامنية المتباينة ، فالنظام الليبي كان حاضنة لكثير من الإثنيات ، والسياسة الليبية ذات التوجه الإفريقي جعلت النظام الليبي نظاما محوريا ترتكز عليه المنطقة الافريقية الصحراوية بأسرها و بالتالي فسقوط النظام الليبي كان سيحمل بما لا يدع مجالا للشك مفاجئات امنية عديدة لدول الجوار و أهمها الجزائر ذات الإمتداد الحدودي الشائع مشاركةً مع عدد من الجيران ، وما انفجار الأزمة المالية الحديثة في تلك الآونة إلا نتيجة حتمية لسقوط النظام الليبي و عجز الجزائر عن إيجاد صيغة عربية –على الأقل – مناسبة لحلحلة الازمة الليبية آنذاك بدلا من ترك زمام المبادرة لحلف عسكري أجنبي كحلف الناتو.. وهاهي الجزائر تقف اليوم -بسبب هذا العجز- محاطة بحزام أحمر من الازمات ، من الغرب معضلة أمنية مع المغرب الأقصى بخصوص قضية الصحراء الغربية ، مصادر التهديدات و الأخطار الأمنية القادمة من الشرق ثم الأزمة المالية على حدودها الجنوبية .. و ما يزيد الطين بلّة هو تلك الانتفاضات الشعبية التي تجتاح عالمنا العربي متغذية على الحرمان ، الفقر ، القهر وانسداد الأفق السياسي كذلك ، إذن فالجزائر تقف اليوم و بعد مرور خمسين سنة على نيلها الاستقلال في حالة أمنية حرجة على المستويين الداخلي و الخارجي ولا مخرج من ذلك إلاّ بإعادة تقييم مسارها الأمني السابق والطريقة التي تبني على أساسها علاقاتها البينية مع دول الجوار خصوصا ، كما باتت عملية بلورة رؤية استراتيجية واضحة بعيدة المدى أمرا حتميا كذلك .

ما أثر العامل الخارجي والبعد الدولي على المسألة ؟

في محاضرة سابقة قمنا بإعداد ترجمة لها ألقيت العام الماضي في المركز البريطاني للأبحاث “شاتهام هاوس” بعنوان :”الغرب و البقية : تحولات ميزان القوى العالمي في المنظور التاريخي” يتحدث أستاذ الدراسات التاريخية البروفيسور نيل فرغيسون عن التحولات البادية في التشكل على مستوى بنية النظام الدولي مع تعافي الدب الروسي و التنامي المتزايد للصين كمنافسيين أساسيين للصدراة الأمريكية على النظام الدولي ، و يركز البرفيسور فرغيسون أكثر شيء على التغلغل الصيني في إفريقيا و دبلوماسية الأموال السائلة التي تتبناها الصين في مناطق عديدة منها وكذا تلك المشاريع الاقتصادية التي أوجدت بها الصين لنفسها موطأ قدم في المنطقة ، كما يشير إلى تزايد العلاقات التجارية بين الصين وإفريقيا بعشرة أضعاف في العقد الأخير، و فيما يخص شمال إفريقيا يُظهر التقرير الصادر عن مركز دراسات غرب آسيا وافريقيا التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية و الذي جاء تحت عنوان “التنمية في افريقيا عام 2012” أن : (التجارة بين الصين ودول شمال افريقيا الست (السودان ومصر والجزائر والمغرب وتونس وليبيا) حققت نموا سريعا خلال العام الماضي باستثناء ليبيا التي انخفض حجم التجارة معها بنسبة 60%، وتعتبر جنوب افريقيا وأنغولا والسودان ونيجيريا ومصر من أكبر شركاء الصين التجاريين في قارة افريقيا .. كما جاء في تقرير “التنمية في افريقيا عام 2012” أن خام النفط يعد أول وأكبر سلعة تستوردها الصين من افريقيا، وفي المقابل تعتبر مصادر إمداد الطاقة من أهم السلع التي توردها الصين للقارة.

إذن فالصين تضرب بقوة في إفريقيا وممّا زاد من تغلغلها أنّها لا تحظى بتاريخ استعماري أسود في المنطقة مثلما هو الحال بالنسبة للقوى الاستعمارية التقليدية وعلى رأسها فرنسا أو تلك الحديثة التّي بانت نزعاتها الكولونيالية في مناطق عديدة من العالم كالولايات المتحدة الامريكية ، فالنزعة التعديلية للصين-كقوة صاعدة تهدّد حامل شاهد الهيمنة- تتطلب تحركا غربيا-أمريكيا سريعا لإعادة تقييم الإستراتيجية الامريكية الكبرى و إعادة الوضع إلى ما أسميناه في مقال آخر “بالستاتيكو المقدس” أي الإرادة الدائمة للولايات المتحدة في المحافظة على الوضع القائم ، بمعنى وضع الهيمنة و الصدارة الأمريكية على بنية النظام الدولي ، إعادته عقارب الساعة إلى ما قبل الثورة التي أحدثها المحافظون الجدد على مستوى السياسة الخارجية بنزعاتهم الولسونية الجديدة القائمة على التدخل العسكري مراهنين على ما يمنحه التفوق التكنولوجي العسكري من ميزات فريدة تجعل الولايات المتحدة “تتحرك كالفراشة و تلسع كالنحلة على حد تعبير محمد على كلاي” ، إذ عانت الدوائر الأمريكية الرسمية و الأكاديمة على حد سواء في العقد الأخير بشدة هاجس القوى التعديلية الجديدة المنافسة –روسيا والصين- خاصة بعد توغل هذه الاطراف إلى مناطق نفوذها الدائم ومرتكزاتها الجيواستراتيجية التقليدية في جنوب شرق آسيا ، المشرق العربي أو في شمال إفريقيا ، غربها وجنوبها أيضا ، ممّا تطلب تحركا معينا لسد الطريق أمام هذه الأطراف للتوغل في مناطقها المحرمة واستقطاب حلفاء لها على حساب المصلحة الامريكية ..

في كتابه الأخير “الإسلام والصحوة العربية” يحاول البروفيسور طارق رمضان أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصر بجامعة أوكسفورد تسليط الضوء على أسباب الحراك العربي منذ أحداث تونس الشهيرة ، و يرجع البروفيسور رمضان بالقارئ إلى سنة 2004 محاولا إثبات الدور الخارجي الأمريكي في تحريك المياه الآسنة لبعض المناطق العربية باستغلال ظاهرة الفقر ، الحرمان المجتمعي و انسداد آفاق الحرية السياسية ، فنظم سياسية تقليدية قديمة تقوم على شعارات القومية البائدة لم تعد تخدم المصالح الأمريكية على المستوى البعيد ، كما أنّ تحركات المنافسين الدوليين في مناطق جيواستراتيجية حساسة ترعاها هذه النظم صار امرا مؤرقا للولايات المتحدة ، لذا باتت الفرصة مناسبة لإعادة تشكيل المشهد السياسي في بعض المناطق بما يتوافق مع المصلحة الأمريكية بعيدة المدى ، لسنا طبعا من أنصار ما يسمى “بنظرية المؤامرة” –التفسير الذي يلجأ إليه من لا يملك تفسيرا علميا- بقدر ما نحاول لفت انتباه القارئ لضرورة القراءة السياسية الكُلانية الشاملة التي تضع الأحداث في سياقها الدولي العام بمعنى ذلك البعد الفوضوي للنظام الدولي –أي غياب سلطة مركزية عليا ترعى هذا النظام مما يقود الدول إلى حالة من التنافس الشديد معتمدة على ذواتها او ما يسمى في الادبيات الواقعية بمبدأ العون الذاتي” – ، و بهذا نفسر مثلا دعم الولايات المتحدة لنظم الخليج العربي ضد الانتفاضات الشعبية كون الخليج العربي منطقة نفوذ أمريكي دائم منذ اكتشاف أولى آبار النفط هناك –وان لم يكن النفط عاملا وحيدا لأهمية المنطقة بالنسبة لها- في مقابل دعم الثوار في سوريا كدولة مارقة حليفة لنظام إيراني مارق في عُرف المصلحة الأمريكية …

ماذا عن الجزائر موضوعنا الأهم في هذا المقال ؟

في سنة 1996 وعلى مجلة الشؤون الخارجية يكتب المؤرخ الأمريكي الشهير بول كيندي رفقة كل من روبرت شاس وإيميلي هيل دراسة بعنوان : ” الدول المحورية والإستراتيجية الأمريكية ” يحاول فيه تشخيص أهم المحاور الإستراتيجية التي ينبغي على الولايات المتحدة الأمريكية أن ترتكز عليها في تفعيل استراتيجيتها الكبرى مستقبلا ، وقد كانت الجزائر إحدى هذه المحاور .. ومفهوم المحور الجيواستراتيجي في الجيواستراتيجيا يشير –بإختصار- إلى تلك المنطقة الجغرافية ذات الخصائص المتميزة اقتصاديا ، استراتيجيا وحيويا ، منطقة تثير لعاب القوى الكبرى المتنافسة للظفر بخدماتها في تفعيل استراتيجياتها الكبرى ، إذ يشكل الإقليم محور البناء الفكري للجيواستراتيجيا، فهو بمثابة مستوى التحليل بالنسبة لها، حيث ينطلق الباحثون في هذا المجال من دراسة الأقاليم المهمة والتي تؤثر في الحركة السياسية للقوى العالمية وتكون موضع استقطاب وجذب لهذه الحركة، بما تنطوي عليه هذه الأقاليم من خصائص ومزايا تمكن هذه القوى من تحقيق السيطرة العالمية وليس بالضرورة أن تكون هذه القوى متواجدة فيه .. فالجزائر إذن محور جيواستراتيجي بالغ الأهمية في منطقة الشمال الإفريقي والشق الغربي من العالم العربي و يجب إيلاء أهمية بالغة لها ، فمنذ مجيئ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ظهر تحول بدى واضحا للعيان في توجه الجزائر الخارجي فلم تبقى روسيا ذلك الحليف المخلص كما كانت في سنوات الحرب الباردة أيام الشعارات الاشتراكية القديمة ، يظهر ذلك في توجهها نحو الليبرالية و نظام السوق كما يظهر جليا أيضا في صفقات السلاح التي لم تعد حكرا على الموّرِد الروسي ، إذن صارت النخبة الحاكمة تمسك العصى من الوسط ، و لا نبالغ إن قلنا انّها تتوجه بحذر نحو الغرب والولايات المتحدة بالأخص على حساب الأطراف الأخرى ، فكما هو معلوم فإنّ الجزائر تحتل صدارة الدول الأكثر انفاقا على التسلح في إفريقيا ببلوغها –حسب ما جاء في تقرير المعهد السويدي للسلم العالمي بستوكهولم – نسبة ال 44 بالمائة ما يعادل 2,5 مليار دولار سنة 2011. وشكلت ألمانيا الزبون الأول للجزائر في مجال الصفقات العسكرية، حيث يكشف التقرير عن صفقة بقيمة 2,2 مليار أورو أبرمت بين البلدين لتسليم الجزائر طائرتين طراداتين مدججتين بصواريخ، وجاءت الصفقة بحسب ما انتهى إليه التقرير من تحاليل بسبب الوضع المتردي في ليبيا وتهديدات الخطر الإرهابي المنتشر عبر كامل المنطقة الحدودية ، كما تحتل حسب ذات تقارير المعهد المرتبة الثامنة عالميا في التسلح ما بين عامي 2006 و 2010 .. فالحاجيات التي يفرضها الموقع الجيواستراتيجي للجزائر و ما يواجهه هذا التموضع من أزمات محيطة وكذا ذلك التوجه الجزائري الجديد كلّها عوامل شجعت الولايات المتحدة على محاولة تمتين العلاقات الثنائية بينها و بين الجزائر فهذا –من وجهة نظرها- يصب في المصلحة الأمريكية و يحوّل المنطقة المغاربية بمرور الوقت إلى منقطة نفوذ أمريكية خالصة ، فبعد المغرب الأقصى ، ليبيا وتونس الليبرالية تبقى الجزائر حلقة ناقصة و السبب هو ذلك الحذر الذي تتسم به النخبة الحاكمة في تعاملها مع الأمريكي ….

فكيف يمكن ضمان الجزائر كبيضة آمنة في السلة الأمريكية ؟ وهل يتم ذلك بدعم بذور الثورة العربية لتزهر في الجزائر ؟ أم أنّ هناك سبل أخرى لتحقيق ذلك ؟ بعبارة أكثر علمية هل تنطلق الإستراتيجية الأمريكية تجاه المغرب العربي الجديد من مبدأ الفوضى الخلاقة أم من منطق دعم الإستقرار ؟ وكيف سيؤثر ذلك على التوجه الخارجي للسياسة الأمنية والخارجية الجزائرية .. للإجابة على ذلك نحتاج إلى شذرات نظرية يقدمها لنا ميدان العلاقات الدولية .

لقد أدّت الولسنية الجديدة التي طبعت السياسة الخارجية للمحافظين الجدد إلى كوارث سياسية وإستراتيجية بعيدة المدى ، فمبدأ الفوضى الخلاقة الذي تبنته هذه الطغمة في المشرق العربي –أو ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد- بالإضافة إلى نظرية الدومينو الزائفة تسبّب في خسائر استراتيجية أمريكية بعيدة المدى ، إذ لم يفلح منطق التفوق العسكري التكنولوجي في إعادة تشكيل المنطقة المشرقية وفقا للمصالح الأمريكية و توقفت أحجار الدومينو عن التساقط من أوّل حجر ألا وهو العراق ووجدت الولايات المتحدة نفسها غارقة في الوحل إلى الأذنين إذ كلفتها حربها في أفغانستان والعراق أكثر من ثلاثة تريليونات من الدولارات أرهقت كاهل دافع الضريبة الأمريكي .. كانت مرحلة المحافظين الجدد مرحلة شاذة كما بينّها سابقا حاولت كسر الستاتيكو المقدس وكان مصيرها الفشل بجميع المعايير ، فالدول تنطلق –نظريا- في سياساتها الخارجية من مبدأ أساسي يسمى بمبدأ العقلانية ، و العقلانية تستدعي حساب تقديري ترجيحي لحجم الخسائر والأرباح فيما يُتاح من بدائل لدى صناع القرار ومن ثمّة اختيار بديل مناسب يوفي بمتطلبات المصلحة العليا .. تحاول إدارة أوباما الجديدة في سياستها الأمنية و الخارجية أن تضع الولايات المتحدة على خط العقلانية السياسية ما أمكن ، لذا فمبادئ الفوضى الخلاقة المتحكم فيها ونظرية الدومينو الزائفة لم تعد تفي بالغرض في مناطق حساسة كالمنطقة العربية عموما أين تعج الإثنيات المتضاربة ، فالقوة الصلبة ، منطق العصى الغليظة والاجتياح العسكري المباشر لا يجلب لها سوى الأزمات تلو الأخرى لذا فالانتقال إلى نمط فعل سياسي خارجي بديل ومناسب صار أمرا حتميا لدى صناع القرار الأمريكي ، وعلى إثر ذلك تركت الولايات المتحدة القيادة لأول مرة لفرنسا في الناتو لتتولى مهمة فجر الأوديسة تلك العمليات الجراحية المنفّذة في ليبيا وامتنعت عن المبادرة والمجازفة للقيام بعمليات كهذه كحل للأزمة السورية لتقعد الملف السوري إقليميا ودوليا -مثلما وضحنا في مقال سابق- كما انتقلت إلى تكثيف دعم المعارضة لخصومها المارقين فيما يسمى بحروب الوكالة كإحدى البدائل الأقرب إلى العقلانية .. لقد طبقت الولايات المتحدة هذه الاستراتيجية من قبل في مناطق عديدة من حديقتها الخلفية –أمريكا اللاتينية – ومناطق اخرى من العالم وقد اثبتت نجاعتها بالفعل ..

فلنرجع إذن إلى منطقتنا المغاربية الشمال إفريقية لنضع نقاطا نهائية مضيئة على حروف الغموض .. ولنتساؤل من جديد : هل يقبل منطق العقلانية قبول الولايات المتحدة بوجود دولة فاشلة بحجم الجزائر في شمال إفريقيا –كأكبر دولة مساحةً إفريقيا ومحورا جيواستراتيجيا فاعلا في الاستراتيجية الأمريكية – ، دولة هشّة مصدّرة لكافة أشكال المخاطر والتهديدات الأمنية غير المتحكم فيها بإمكانها أن تهدد مصالحا ومصالح حلفاءها الغربيين –الاتحاد الأوروبي ولاسيما فرنسا- و تضع المنطقة برمتها متاحة للاستثمارات السياسية الروسية والصينية مسقبلا ؟ نستبعد ذلك حتما بحكم ما ذُكر من أسباب .

تراجيديا المغرب العربي الجديد والحلف المقدس الجديد … ماالذي سيحدث ؟

كما أشرنا آنفا كان هذا عنوان مقال كتبناه العام الماضي نتنبأ فيه بإمكانية بروز حلف متين بين الجزائر والولايات المتحدة ، يتشارك فيه الطرفان خدمات متبادلة في مواجهة تحدياتهما المشتركة التي يفرضها المشهد السياسي المتشكل في المنطقة ، فعلى المستوى الداخلي قد تساهم الولايات المتحدة بطريقة ما في المحافظة على وضع الجزائر السياسي المستقر المحصن مما يسمى بالثورات و ذلك من خلال تشجيعها النخبة الحاكمة على التوزيع العادل –نسبيا- للثروات و محاولة امتصاص الغضب الشعبي الشباني بطرق سياسوية معلومة ، تشجيع العسكر كسلطة فاعلة في الجزائر على التعامل بمرونة مع البدلة الدبلوماسية الرسمية ، ترك تلك البدلات تؤدي مهامها بحرية نسبية فكل ذلك من شأنه أن يمنح النظام القائم نبضا جديدا وشرعية لدى المواطن البسيط وهذا ما يحتاجه أي نظام سياسي ليضمن البقاء والاستمرار أي الشرعية ، أمّا على المستوى الخارجي فقد تُقدم الولايات المتحدة مستقبلا بعضا من المكاسب لصالح الجزائر على حساب المغرب الأقصى فيما يخص قضية الصحراء الغربية بعد عقود من الدعم الأمريكي الواضح للطرف المغربي ، في مقابل ذلك ستستعد الجزائر لتقديم خدماتها للولايات المتحدة في شمال إفريقيا لمواجهة تغلغل المنافسين الجدد لمناطق نفوذ باتت مهمة مستقبلا على المدى البعيد … حاولنا في مقالنا سالف الذكر أن نُأصّل نظريا لإمكانية بزوغ هكذا حلف مستقبلا ، مستشهدين بإحدى أبرز النماذج التفسيرية الواقعية التي تقدمها نظرية العلاقات الدولية ، ما يسمى بنظرية الإستقرار بالهيمنة لروبرت جيلبين وقبله تشارلز كيندلبارغر ، إذ تزعُم النظرية أنّ الاستقرار على مستوى النظام الدولي يتحقق بفعل الأحادية القطبية أي وجود قوة عالمية فريدة مهيمنة تتحكم في خيوط النظام الدولي و تسير به إلى برّ الأمان لحظة الأزمات بدلا من نموذج الثنائية القطبية أيام الحرب الباردة أو التعددية القطبية أيام الحرب العالمية الثانية وما قبلها ، إلاّ أنّنا حاولنا إسقاط هذه النظرية و توظيفها من بعدها الدولي إلى بعدها الإقليمي -أي المغرب الغربي وشمال إفريقيا كإقليم – افترضنا حينها انّه لو قامت الولايات المتحدة الامريكية بدعم التفوق الإقليمي الجزائري على حساب الجيران مقابل تلك الخدمات المتبادلة التي تحدثنا عنها فستشهد المنطقة بزوغ فجر إحدى أكثر الأحلاف متانة ، إذ سيجد النظام الجزائري والبدلات العسكرية فكرة الهيمنة الإقليمية فكرة مثيرة للعاب ، كما ستتمكن الولايات المتحدة من فرض الاستقرار الاقليمي المتحكم فيه بفضل الجزائر و الحيلولة دون تحوّل المنطقة برمتها إلى منطقة مصدرة لكافة أشكال المخاطر والتهديدات الأمنية التي لا تصّب لا في صالحها ولا في صالح حلفائها الأوروبيين .

بديلا عن الخاتمة :

على ضوء كل ما سبق يمكن أن نشكّل فهما متكاملا لأسباب زيارة هيلاري كلينتون للجزائر مؤخرا ، كما يمكن أن تقدم لنا النظرية بقوتها التفسيرية الأسباب الغامضة التّي كانت وراء التحوّل الطارئ في موقف الجزائر تجاه الأزمة المالية المشتعلة ..

ولا نريد مغادرة هذا المقال قبل محاولة إيجاد صيغة جيوبوليتيكية نراها مناسبة للوضع الذي يمكن أن تتخذّه الجزائر في المستقبل القريب ، ذلك الوضع الذي من شأنه أن يرفعها إلى مصاف القوى الإقليمية الأكثر تأثيرا وأهمية في العالم العربي بأكمله ، ما يسمى بوضع “الغروسروم” أو المجال الكبير””Grossraum” على حدّ تعبير الفيلسوف والجيوبوليتيكي الألماني الكبير كارل شميدت ، و الغروسروم هو تصور جيوبوليتيكي ينظر إلى (عملية تطور الدولة على أنها الطموح إلى اختيار الحجم المكاني الأوسع مدى، ومبدأ التكامل الإمبراطوري هو التعبير المنطقي والطبيعي عن الطموح الإنساني إلى التركيب، وعلى هذا فإن مراحل التوسع المكاني للدولة تتطابق مع مراحل تحرك الروح الإنسانية نحو الشمولية.) .. هذا القانون الجيوبوليتيكي ينسحب أيضا على المجالات التقنية والاقتصادية، حيث يبين شميدت أنه بدءا من لحظة معينة يأخذ التطور التقني والاقتصادي للدولة بمطالبتها بتضخيم سياستها كما ونوعا، والحديث هنا لا يدور بالضرورة حول الاستعمار والظلم والاختراق العسكري، فإقرار الـ “Grossraum” يمكن أن يجري وفق قوانين أخرى أيضا، على أساس اتخاذ عدة دول أو شعوب صيغة دينية أو ثقافية موحدة … ويرى شميدت أن تطور نوموس الأرض يجب أن يؤدي إلى ظهور الدولة_ القارة ومراحل التحرك نحو الدولة البرية–القارة ذات الـ”Grossraum” البري- ضرورة تاريخية وجيوبوليتيكية.

لاشك أن شميدت كان يتحدث عن ألمانيا ، عن الطموح الذي كان الألمان يسعون لبلوغه –سياسيا وأكاديميا- ، فالتموضع القاري لألمانيا و امتداد العرق الجرماني ومملكة الرايخ في العمق الأوروبي كان محفزا أساسيا في بلورة هذه الصيغة ، أمّا تفعيل هذه الصيغة فيحتاج في رأينا إلى عاملين داخليين مركزيين : الموارد و الإرادة السياسية الطامحة ، وإلى عامل خارجي مؤثر والمتمثل في رضى القوى الخارجية الكبرى النافذة –توافق النخب الداخلية و الخارجية عند ستانلي هوفمان- مّما يعّبد الطريق أمام قبول المشروع لدى دول الجوار كونه يصب في نهاية الأمر في مصلحة الجميع (بمعنى تقاسم المنافع).. و من نافلة القول أن مشروع الغروسروم عند شميدت يسبق بسنوات تلك المشاريع التنظيرية لمقاربات التكامل والاندماج غير أنّ الصبغة الجيوبوليتيكية تجعله مميزا عن الطروحات الوظيفية التّي تقدمها هذه المقاربات .. ما نريد لفت الانتباه إليه هنا هو إمكانية تلاقى مشروع الغروسروم –أي الهيمنة الإقليمية للجزائر مثلما وضحنا- مع مشاريع الإتحاد المغاربي المتجمدة منذ سنوات ، فوجود دولة قائد –حسب بعض التصورات الواقعية والوظيفية- تحسم الاختلافات والتردّدات بالإضافة إلى وجود ذلك التناسق النسبي الهوياتي بين شعوب المنطقة –حسب الطرح البنائي- بالإضافة إلى العوامل والأسباب المنطقية السابقة كلّها قد تقود في نهاية المطاف إلى احتمالية بزوغ هذه الصيغة الجيوبوليتيكة-الوظيفية الجديدة في المنطقة في المستقبل القريب .

*جلال خشيب : كاتب وباحث جزائري بمعهد دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، جامعة مرمرة-إسطنبول-تركيا، وبقسم الدراسات الآسوية كلية العلاقات الدولية بجامعة الجزائر3.

نُشر المقال لأول مرة على موقع الحوار المتمدن-العدد: 3903 – 2012 / 11 / 6 – 23:46

  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=331338

المراجع المعتمدة :

1 – دوغين ألكسندر، أسس الجيوبوليتيكا، مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي، ترجمة: عماد حاتم، دار الكتاب الجديدة المتحدة، الطبعة الأولى 2004 ، بيروت-لبنان .

2- نيل فرغيسون ، الغرب و البقية تحولات ميزان القوى العالمي في المنظور التاريخي ، ترجمة جلال خشيب ، موقع الحوار المتمدن .

3- روبرت كيوهان ، عولمة العنف غير الرسمي : نظريات السياسة العالمية وليبرالية الخوف ، ترجمة : جلال خشيب وعبد الرحمان بن عزوز ، مدونتنا الخاصة جسور الدراسات الدولية .. يُنشر المقال في موقع رسمي بعد مراجعة الترجمة .

4- جلال خشيب ، سوريا في مهب التحولات الدولية : دراسة جيوبوليتيكية-نظرية ، موقع الحوار المتمدن .

5- جلال خشيب ، تراجيديا المغرب العربي الجديد و الحلف المقدس الجديد ، موقع الحوار المتمدن .

6- الجزائر أكثر دول إفريقيا تسلحا سنة 2011 بسبب تدهور الأوضاع بالمنطقة الحدودية ، موقع فيتامين دي زاد نقلا عن معهد السلم العالمي بستوكهولم SIPRI

7- مركز أبحاث : تأثيرات محدودة لاضطرابات دول شمال إفريقيا على تجارتها مع الصين ، شبكة الصين ، المنظمة العربية- الصينية .

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *