المفاعل النووي الجزائري استُقدِم من الصين.

المفاعل النووي الجزائري استُقدِم من الصين.

تأليف: إيلاين سيولينو وإيريك شميت.

ترجمة: هشام داوود الغنجية.

ALGERIAN REACTOR CAME FROM CHINA
By ELAINE SCIOLINO with ERIC SCHMITT,
Published: November 15, 1991
Translated by: Hichem Daoud El Ghandja

the-new-york-times-logo-wallpaper

تلقّت الولايات المتحدة الأمريكية قبل ثلاث سنوات بيانات استخبارية مؤكدة تفيد بأنّ الصين قد قامت بمساعدة الجزائر من أجل بناء مفاعل نووي؛ يعتقد عديد الموظفين الرسميين بأنّ الغرض الحقيقي منه هو إنتاج سلاحٍ نووي، حسب موظفين رسميين أمريكيين حاليين وسابقين.

لكنّ الإدارة الأمريكية لم تتحرك إزاء الموضوع إلا بشكلٍ متأخر في السنة الماضية، بعد أن أظهرت صورٌ التقطتها أقمار صناعية أمريكية مفاعلاً نوويا في طور البناء، وصل إلى مرحلة متقدمة من التشييد بشكل لا يمكن توقيفه.

ويندرج البرنامج النووي الجزائري في إطار حملة صينية شرسة وسرية تهدف إلى تصدير تكنولوجيتها النووية بشكل يتصادم والمساعي الأمريكية القاضية بتوقيف انتشار أسلحة الدمار الشامل. ويعبّر التحرك الأمريكي المتأخر إزاء هذا المشروع عن وجود نوع من عدم التوافق داخل الإدارة الأمريكية حول طريقة التعامل مع البيانات المتلقاة.

ومع وصول سكرتير الدولة الأمريكي جايمس بيكر إلى الصين يوم الجمعة الماضي، أشارت معلومات جديدة إلى تلقي ريتشارد كينيدي؛ السفير الأمريكي المختص في قضية عدم انتشار السلاح النووي تقريرا مفصّلاَ عن الاتفاق الجزائري الصيني أواخر 1988، مع نصّ الاتفاق الرسمي كذلك؛ يقول رسميون أمريكيون.

ولم يتم إعلام البنتاغون وباقي الوزارات بخبر المفاعل الجزائري إلا عامين بعد ذلك، بعد أن ظهرت معلومات استخبارية إضافية تشير إلى المشروع.

“أُصبتُ بالذهول حينما علمت بأنّ الملف كان في يد مكتب كينيدي لمدة تتجاوز العامين” يصرّح هنري راون المساعد السابق في وزارة الدفاع المكلف بالقضايا الأمنية الدولية. وأضاف: ” بدا الأمر مهما للغاية، وكنت منزعجا جدا لأنّ الملف لم يوزع علينا مبكرا”. والأمر كذلك بالنسبة لجايمس ليلي، السفير الأسبق في الصين، الذي صرّح بأنه لم يعلم بالبيانات إلا في أواخر السنة الماضية.

وفي الحقيقة، منذ أن بدأت الصين في توقيف عقود أسلحة أخرى بعد أن تمّ الكشف عنها في المراحل الأولية، كان من الممكن توقيف هذا الاتفاق لو بدأ الاحتجاج عليه مبكرا حينما ظهر هذا المشروع؛ يقول رسميون الأمريكيون.

لكن المعروف عن كينيدي بأنه الراعي لاتفاق عام 1985 المثير للجدل القاضي بإقامة تجارة في السلاح النووي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، الذي جمّده الكونغرس بدعوى تواصل وجود صادرات نووية صينية غير ذات أهداف سلمية.

ولم يصدر أي تعليق عن كينيدي باعتبار أنّه كان مسافرا، وكذلك الأمر بالنسبة للوزارة المعنية. لتبقى تصريحات الرسميين الآخرين متضاربة.

أحد هؤلاء من الذين يدافعون عن فكرة ضرورة عدم نشر هذا الإعلان صرّح بأنّه “لا يوجد أي داعي يجعلنا نُعلَم بالمشروع، لن نذهب إلى هؤلاء الناس عندما نعرف بأنهم وقّعوا عقودا ونقول لهم: هل أنتم تخططون لترك التزاماتكم الدولية؟”.

واليوم، تقول إدارة بوش بأنّها تعمل بنشاط من أجل توقيف مثل هذه العقود، لكنّ الكونغرس، وخبراءٌ مستقلون في الشأن الصيني، إضافةً إلى موظفين سامين في الدولة؛ يعيبون كلّهم على واشنطن عدم تقديمها لمعلومات استخبارية كافية عن انتشار أسلحة الدمار الشامل، هذا الشك كان في صالح الصين التي تلقت رسائل متناقضة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

فريديريك إيكل، الذي كان وزيرًا للدفاع في إدارة ريغان، صرّح قائلاً بأنّه مثلاً، يوجد رسميون يابانيون استفسروه مؤخرا حول ظهور تراخي واضح في تعامل الإدارة الأمريكية مع الملف النووي لكوريا الشمالية، وهي القضية التي بحثت فيها الإدارة الأمريكية عن التعاون مع الصين من أجل حلها.

” لم يكن الأمر كذلك” يجيب، “لكنهم أخبروني بأنّ السفير كينيدي لم يتحدث بلهجة قوية عن هذه القضية على مستوى الوكالة الدولية للطاقة الذرية”.

وفي الأشهر الماضية، تقدّمت إدارة بوش بخطوات صغيرة ولكن واضحة في مواجهة الصّين حول قضايا: التجارة، حقوق الإنسان، والأسلحة. لكن رغم الانتقادات، دعمت الإدارة الأمريكية في المقابل الصين بشدة في تحريرها لتجارتها الخارجية.

تعدّ قضية انتشار الأسلحة من أهم القضايا بالنسبة لأجندة السيد بيكر لما وصل إلى الصين، إذ من المنتظر منه أن يثني على الصينيين عن مشاركتهم الأخيرة في المحادثات حول انتشار الأسلحة في الشرق الأوسط، وعن البرامج النووية في شبه الجزيرة الكورية؛ وينتقدهم في المقابل حول تعاونهم النووي مع الجزائر وإيران، وتعاونهم حول موضوع الصواريخ مع باكستان وسوريا.

من المنتظر منه كذلك أن يحثّ الصين على المسارعة في تجسيد تصريحاتها حول الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ولكي تلتزم بنظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ. ومع ذلك، لا يتوقع منه أن يأتي بضمانات مؤكدة على ذلك.

في العشرية الأخيرة، قدّمت الصين التكنولوجيا النووية إلى الأرجنتين، البرازيل، الهند، جنوب إفريقيا، وإيران. كما قدّمت تصميمًا لسلاح نووي خاص بها، يقول ليونارد سبيكتور مؤلف عديد الكتب حول موضوع انتشار الأسلحة النووية.

وبحلول نهاية العام الماضي، اقتربت سوريا والصين من التوقيع على عقد مقدر بـ 200 مليون دولار؛ تورّد من خلاله الصين صواريخ أم-9 إلى سوريا؛ يقول السيد ليلي، رغم أنّ الصين كانت قد طمأنت واشنطن من قبل بعدم تصديرها لمثل هذه الأسلحة. وتمّ رصد صواريخ تم إطلاقها في سوريا، لكن لا يُعلم حول ما إذا كانت هذه الصواريخ هي صواريخ أم-9 الصينية أو صواريخ سكود-سي الكورية الشمالية؛ تشير تقارير استخبارية.

كما تشير تقارير استخبارية قُدّمت في السنوات الماضية أنّ الصين تحادثت مع إيران أيضًا حول إمكانية تزويدها بصواريخ أم-9.

كما باعت الصين قاذفات وصواريخ أم-11 إلى باكستان في بداية هذه السنة، رغم أنّ الصين تعهّدت بعدم بيع الصواريخ متوسطة المدى إلى دول الشرق الأوسط، وبعدم تقديم التكنولوجيا العسكرية لأي دولة من الدول النامية. وتعتبر الصين هذا النوع الأخير من الصواريخ بأنها صواريخ قصير المدى، رغم أنها قادرة على أن يصل مداها إلى بعد 180 ميل وعلى حمل رأس نووي كذلك. في حين تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية هذا الصاروخ بمثابة صاروخ متوسط المدى بناء على نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ.

رغم أنّ الجزائر انتقلت نحو الديمقراطية، لكنها تحوز أيضًا على حركة إسلامية متطرّفة. كما وقفت الجزائر إلى جانب العراق في حرب الخليج لأنّ زعماءها اعتبروا ذلك بمثابة تضامن إسلامي.

ويظهر في الإدارة الأمريكية المكلّفة بهذه القضية انقسام حول تأويل هذه البيانات، وحول الطريقة التي من الممكن أن تتعامل بها الولايات المتحدة الأمريكية مع الصّين.

وفي بداية هذه السنة، تم تحذير عمال وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بأنّ هذا المفاعل تستهدف من خلاله الجزائر أهدافًا عسكرية.

وأشار هؤلاء إلى عدم وجود خطوط للطاقة الكهربائية من المحطة، ما يشير إلى احتمال وجود منشأة لمعالجة اليورانيوم، ووجود أبراج للتبريد، وموقع المفاعل في الصّحراء، مع وجود إجراءات أمنية وعسكرية استثنائية؛ كلها مؤشراتٌ على أنّ مشروع المفاعل يدعو للقلق.

ولكن بعد تحقيقات وزارة الخارجية الأمريكية؛ يقول بعض المسؤولين في الإدارة الامريكية بأنّهم مقتنعون بأنّ التعاون بين الصّين والجزائر حول مشروع المفاعل النووي هو ذو أهداف سلمية وسيتعرّض للتفتيش الدولي. ورغم أنّ الولايات المتحدة دعت إلى تفتيش فوري، إلا أنّ الجزائر فضّلت أن يتم ذلك بعد الانتهاء من بناء المفاعل، ربما في غضون سنة.

” الطريقة الأكثر دبلوماسية لتجسيد ذلك هو التعبير عن وجود آراء مختلفة كثيرة من المسؤولين الأمريكيين حول أهداف المشروع” يقول مسؤول أمريكي.

كما يوجد عدم اتفاق أمريكي مع الصّين حول التعاون النووي بين الصين وإيران، حيث أشارت تقارير لوكالة الاستخبارات المركزية أُعدّت في الصيف الماضي حول التعاون الصيني مع باكستان، إيران، والجزائر مثلاً إلى وجود أمثلة محدّدة عن التعاون النووي بين الصين وإيران؛ يقول مسؤولون أمريكيون.

لكنّ تقارير سرية أمريكية أخرى أشارت أنه في وقتٍ يطمح فيه المسؤولون في إيران إلى تطوير أسلحة نووية، فإنّ برنامج هذا البلد مرتّب وهو في أولى مراحل تطويره.

وعندما وافقت الصّين على بيع ليبيا المواد الكيميائية لإنتاج الأسلحة الكيميائية في العام الماضي؛ لم يتم إيقاف ذلك إلا بعد مخاض عسير واحتجاجات أمريكية؛ قال السيد ليلي.

“لقد استشاط الصينيون غضبًا مرتين لأنني بقيت أتتبّعهم” يقول ليلي في حوار. “لقد قالوا بأنّ هذه المعلومات غير صحيحة ونفوا ذلك، لكنّهم توقفوا في المقابل عن القيام بذلك. لذلك يجب أن يتم الإمساك بهم أوّل الأمر”.

تاريخ النشر: 15/11/1991.

المصدر: جريدة نيويورك تايمز.

رابط المقال: http://www.nytimes.com/1991/11/15/world/algerian-reactor-came-from-china.html?pagewanted=1

 

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *