تحت الرادار: علاقات إندونيسيا مع الجزائر

الكاتب: ”محمد ذو الفقار رخمت” Muhammad Zulfikar Rakhmat ، باحث دكتوراه في جامعة مانشستر. مجال بحثه الرئيسي هو: علاقات الصين/ دول جنوب شرق آسيا مع الشرق الأوسط.

المترجم: صادق حجال، طالب دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر3.

 

العلاقات الإندونيسية-الجزائرية لها تاريخ طويل، وهي مرتكزة اليوم على المجالات الاقتصادية ومكافحة التطرف.

  علاقات إندونيسيا مع دول شمال إفريقيا لا تحظى باهتمام كبير. لم يبرُز هذا الموضوع إلا من خلال الأخبار في بداية هذا العام، على إثر اجتماع “زولفيكي حسن” Zulfiki Hasan ، رئيس الجمعية الاستشارية الشعبية الإندونيسية، مع السفير الجزائري الحالي بإندونيسيا عبد ”القادر عزيرية”، بحيث دعا إلى تقوية سبل الشراكة بين الدولتين.

  في الحقيقة، العلاقات الاندونيسية-الجزائرية ظلت تتطور لسنوات عديدة دون ملاحظة الآخرين. في الأعوام الأولى تحددت العلاقة بينهما من خلال تقاسمهما لنفس الوضعية، كبلدان ذات أغلبية مسلمة ودعمهما المطلق للحركات المناهضة للاستعمار في جميع أنحاء العالم. لكن في السنوات الأخيرة تبدوا علاقاتهما مدفوعة بمصالح اقتصادية وأمنية.

   كدولة ألهمت الجزائر للحصول على استقلالها عام 1962م، تحتل اندونيسيا مكانة خاصة في السياسة الخارجية الجزائرية، فقبل حصول الجزائر على استقلالها الرسمي من فرنسا كانت اندونيسيا من بين الدول القلائل التي اعترفت بالجزائر إذ قامت بدعوة وفد جزائري لحضور مؤتمر باندونغ عام 1956. خلال الذكرى الخمسين لاستقلال الجزائر عام 2013م، قام “عبد الكريم بالعربي”، سفير الجزائر بإندونيسيا آنذاك، بشكر اندونيسيا على دعمها الصريح لاستقلال الجزائر.

  العلاقات السياسية الحالية بين اندونيسيا والجزائر يتم تسهيلها من خلال وجود البعثات الدبلوماسية الطويلة الأمد في كلتا البلدين، ويتم تقوية تلك العلاقات من خلال التبادلات الثنائية والاجتماعات المتكررة الرفيعة المستوى بين كبار المسئولين والنواب، كذالك البلدين يتقاسمان المشاركة في العديد من الآليات المتعددة الأطراف على غرار حركة عدم الانحياز، ومجموعة 77، ومنظمة التعاون الإسلامي. رغم طول المسافة بين البلدين بآلاف الكيلومترات إلا أن جاكرتا والجزائر تتقاسمان نفس المواقف في بعض القضايا الإقليمية، على غرار قضية ليبيا، وفلسطين، والصحراء الغربية. بالإضافة إلى ذلك عملت اندونيسيا على دعم انضمام الجزائر إلى منظمة التجارة العالمية.

  مما لا شك فيه بأن الطاقة هي العامل الأساسي في تحديد علاقات اندونيسيا مع الجزائر. على سبيل المثال في عام 2012م ، قامت شركة النفط الحكومية الاندونيسية ”بيتي بيرتامينا” PT Pertamina، بتوقيع مذكرة تفاهم مع شركة النفط الوطنية الجزائرية- سوناطراك- من أجل تعزيز التعاون وتبادل الخبرات والمعرفة في مختلف قطاعات المحروقات.

  في غضون ذلك، عام 2016م، بدأت شركة ”بيتي بيرتامينا” بتطوير مشروع المرحلة الرابعة في وحدتها النفطية بالجزائر، وهي الوحدة التي كانت قد اشترتها من شركة “كونكو فيليبس” ConcoPhilips في عام 2013م. سمحت الهيئة الجزائرية للنفط والغاز لشركة “بيرتامينا” PT Pertamina بزيادة إنتاجها إلى حدود 54.300 برميل من النفط المكافئ يوميا (boedp)، وهذا أكثر من إنتاج 39.000 برميل من النفط المكافئ يوميا الذي كان مسموحا به في السنة السابقة. لتحسين هذه الزيادة قامت شركة “بيتي بيرتامينا  لخدمات الحفر”(PDSI)  التابعة لشركة بيتي بيرتامينا PT Petramina، في جوان 2016 بإعلان مناقصة لشحن جهاز حفر بغية استعماله من قبل الشركة لاستكشاف الحقول النفطية المخصصة لها.

  صفقات أخرى وُقعت في جويلية 2016 بين الجزائر وشركة “اندوراما” الاندونيسية  Indorama” لبناء منجم للفوسفات ولتطوير مصنعين لمعالجة المغذيات المحصولية في الجزائر بتكلفة إجمالية مقدرة بـ 4.5 مليار دولار. جزء من الصفقة كان مشروعا مشتركا بين شركة “اندوراما” والشركة الجزائرية ”المنال” لتطوير منجم جديد للفوسفات في ولاية تبسة شرق الجزائر. الشركتين سوف تنظمان أيضا إلى شركة أسميدال من أجل بناء مصنع لتحويل الفوسفات في ولاية سوق أهراس بالقرب من الحدود التونسية، وذلك لإنتاج الحمض الفسفوري وثنائي فوسفات الأمونيوم.

  في نفس الوقت، تم توقيع مذكرة تفاهم بين اندونيسيا والجزائر حول القطاع الصناعي. يذكر بأن الإتفاق يشمل تطوير  العلاقات الثنائية في عدد من القطاعات الصناعية الاستراتيجية، بما ذلك التعدين والمنسوجات والالات والأغذية والبيتروكيماويات و الأسمدة. كان مقررا إنشاء فريق عمل ثنائي من أجل التنفيذ.

   العلاقات الاقتصادية بين جاكرتا والجزائر العاصمة تطورت أيضا في الأعوام الماضية، ليس فقط بفضل التكامل الطبيعي بين البلدين المتأثر بالنمو الاقتصادي الإندونيسي، ولكن أيضا بفضل التغيرات في البيئة العالمية والإقليمية. فحالة عدم الاستقرار المتسمرة في الشرق الأوسط و استمرار التدخلات الأمريكية في الإقليم عملت على تشجيع التحول “نحو الشرق” في السياسية الخارجية للعديد من بلدان شمال إفريقيا بما فيها الجزائر.

  حاليا تعتبر الجزائر رابع أكبر شريك تجاري لاندونيسيا في القارة الإفريقية، بعد مصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا. بحلول عام 2015م أفادت التقارير بأن حجم التجارة بين البلدين بلغت 555 مليون دولار، أو حوالي 6% من إجمالي التجارة الاندونيسية مع إفريقيا، بينما تعتمد الجزائر أساسا على تصدير النفط الخام، فإن صادرت اندونيسية الأساسية هي المواد الغذائية مثل الخشب والسكر والسمك المجفف وألياف النسيج والقهوة وزيوت النخيل.

  في معرض نمو الاقتصاد الاندونيسي بشكل مطرد، تخطط الحكومة الجزائرية لإقامة لجنة مشتركة من أجل تقوية علاقاتها مع جاكرتا. كلا الحكومتين قد وقعوا على عدد من مذكرات التفاهم، بما فيها اتفاقية منع الازدواج الضريبي و التعاون في مجال الصيد البحري.

  إلى جانب العلاقات الاقتصادية، تساهم الأبعاد الدينية والثقافية من رفع أهمية اندونيسيا في نظر الجزائر. بتصميمها على مجابهة التطرف الذي ترسخ لمدة طويلة ضمن حدودها، ترى الجزائر بأن اندونيسا لها دورا جوهريا تلعبه في مسألة تعزيز التعليم المعتدل للإسلام. تم إبراز ذلك بوضوح من خلال اتفاقية موقعة بين البلدين لتعزيز العلاقات في مجال التعاون الديني للمساعدة في معالجة مشكلة التطرف وتعزيز التدريس الإسلامي المعتدل. للمتابعة، كلا الدولتين قامت أيضا بصياغة عدد من البرامج ذات الصلة بغية تنفيذها، رغم أن التفاصيل لم يتم نشرها للجمهور، فإن التعاون يشمل تبادل ”رجال الدين” ونشر ما يحددانه بالقيم الإسلامية المعتدلة.

  بفضل هذا الاتفاق الديني، يمكن أيضا توقع أن تشمل العلاقات بين البلدين المجال التعليمي في الوقت القريب. الجزائر تخطط لتقديم منح دراسية للطلبة الاندونيسيين للدراسة في مؤسسة دار الإمام، التي تشرف عليها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف. في جويلية 2016، جاكرتا والجزائر وقعتا على مذكرة تفاهم حول التعاون في مجال التعليم العالي والبحث العلمي. شملت الاتفاقية تمديد المنح الدراسية وتبادل المحاضرين والبحوث المشتركة المنشورات.

  بموجب الاتفاقية، التعاون السياحي تم أيضا التخطيط له. خاصة السياحة الدينية. في السنوات الأخيرة، سخرت الحكومة الجزائرية كمية كبيرة من الموارد لتحسين إدارة وصيانة المواقع التاريخية الإسلامية. بناءا عليه، تأمل الجزائر في أن تتمكن من جذب المزيد من السياح الاندونيسيين.

  هذه التطورات الاقتصادية والسياسية والثقافية قد جاءت لتشكل مسار العلاقات الاندونيسية-الجزائرية، ولتعززه ضمن القراءات المتفائلة بشأن المسار المستقبلي. نظرا لمكانتها كأكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، يمكن لاندونيسيا أن تضع نفسها كهدف محتمل للصادرات والاستثمارية الجزائرية. بينما البلدان المحيطة بها في الإقليم مازالت تواجه حالة الاضطراب وعدم الاستقرار، ستستمر الجزائر في دعم ”التوجه شرقا” في سياستها الخارجية والتحرك باتجاه رابطة دول جنوب شرق آسيا ستكون خطوة منطقية. في هذا الصدد، يمكن لاندونيسيا أن تكون بمثابة محورا رئيسيا للبلد الشمال إفريقي من أجل التوسع اقتصاديا في إقليم جنوب شرق آسيا الشاسع.

  إلى ذلك الحين، اندونيسيا حاليا تبحث عن السبل لتنويع سوق صادراتها. لذلك، الجزائر، كثالث أكبر اقتصاد في إفريقيا ومع عدد سكان بحوالي 24 مليون نسمة، تنظر إليها اندونيسيا كسوق مربحة لسلعها وصادراتها، وفي نفس الوقت، يمكن أن يوفر لجاكرتا جسرا من أجل التوسع الاقتصادي في إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

  ما يمكن أن يعزز العلاقات الاندونيسية-الجزائرية أبعد من ذلك هي تصوراتهم ورؤاهم المشتركة لمواجهة التهديدات المتنامية للتطرف. من المرجح أن تستمر كلا الدولتين في بذل الجهود الموحدة للتقليل من التهديدات المحتملة للتطرف ولنشر التعليم المعتدل للإسلام.

   غير أن هناك عددا من التحديات والعوائق التي تقف في الطريق، بما فيها غياب الخطوط الجوية المباشرة، وتقلب أسعار الصرف، عدم الدراية الكفاية بالبلد الآخر من قبل دوائر الأعمال في البلدين،  فضلا عن بعض القيود الثقافية  التي تسببها أساسا غياب اللغة المشتركة.

  مع ذلك، يكون من المنطقي التنبؤ بأن العلاقات الإندونيسية-الجزائرية ستستمر في النمو، مادام كلا البلدين يلمسان الفوائد المكمّلة الناتجة عن علاقاتهما الاقتصادية، وأيضا يواجهان تحدي صيانة دولهما من التطرف الإسلامي.

Source :    THE DIPLOMAT

 

You may also like...