محدّدات ومعوقات الدور الجزائري تجاه التحولات السياسية والأمنية في ليبيا

بقلم: د/ عصام بن الشيخ*

استضافت الجزائر الرئيس السنغاليّ ماكي سال في (10 يناير 2015) لاقناعة بالعدول عن دعوته المجتمع الدوليّ لقيادة تدخّل عسكريّ جديد في ليبيا، واستضافت بدبلوماسية نشطة
من خلال رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال ووزير الخارجية رمطان لعمامرة والوزير المنتدب المكلف بالشؤون المغاربية والإفريقية عبد القادر مساهل، كلاّ من: الرئيس التشاديّ إدريس ديبي اتنو-وجرت في (28 ديسمبر 2014)، الرئيس النيجري محامادو ايسوفو في ( 25 يناير 2015)، الرئيس البينينيّ توماس بوني يايي (01 فبراير 2015)، الرئيس الكينيّ أوهورو كينياتا في (25 فبراير 2015)، ورئيس الوزراء المالي موديبو كايتا في (10 فبراير 2015)، وقائمة طويلة من الساسة الأفارقة، لإقناعهم بحتمية الحلّ السياسيّ السلميّ في ليبيا، بعيدا عن الحلّ العسكريّ الذي تدعمه عدّة دول إفريقية كمصر والسنغال، أو المملكة المغربية من خارج الإتحاد الإفريقيّ – قبل رعايتها للمفاوضات بين الفرقاء الليبيين برعاية الأمم المتحدة بالصخيرات -. تدلّ المخاوف الجزائرية من التدخّل العسكريّ الدوليّ مجددا في ليبيا، على الخشية من إنشاء المزيد من القواعد العسكرية على الأراضي الليبية، وما يمكن أن ينجرّ عن ذلك من عمليات إرهابية في منطقة الساحل الإفريقيّ في ظلّ تفاقم libya-algeriaالأوضاع في مالي، التي وقّع فرقاؤها في (20 فبراير 2015) اتفاقا تاريخيا في الجزائر لوقف الاقتتال في شمال مالي.

ليبيا.. تحوّل مفاجئ، ومستقبل مجهول

تكدّست أسئلة المثقفين والساسة الليبيين وهم يفكّرون في مستقبل القارة الإفريقية في عهد الرئيس الراحل معمر القذافيّ، وها هي تتكدّس مرّة أخرى لكن حول “مستقبل ليبيا” كما يقول السياسيّ الليبيّ عبدالرحمان شلقم ( )، فليبيا التي عانت من الحصار الأمريكيّ والغربيّ الطويل بسبب قضية لوكربي ( )، وأزالت الغموض بأنّها ليست خطرا على المجتمع الدوليّ حين تخّلت طواعية عن برنامجها النووي ( )، ظلّت مصدر إزعاج للغرب بسبب “السياسة الوحدوية” للعقيد القذافي في الفضاءين العربيّ والإفريقيّ لعدّة عقود، وقد استخدم نظامها السياسيّ النفط والاتحاد الإفريقي كورقتين رابحتين لتحقيق المصالح الليبية في المنطقة العربية والإفريقية، والتي تميّزت بنشاطات عشوائية وغير مركّزة للسياسة الليبية، التي تركت وراءها أخطاء كثيرة، كان البترودولار الوسيلة الأساسية للتعويض عنها في حقبة القذافي المظلمة. أما اليوم فالفرقاء في ليبيا من النظامين القديم والحالي وبقية الفصائل المعارضة، أنهوا فرص الحوار الثنائي بسبب تصفية الحسابات وقوانين العزل السياسي، مما أكّد حتمية اللجوء إلى الأمم المتحدة لإطلاق مفاوضات تسمح بالحفاظ على “وحدة الدولة الليبية”، قادها الممثل الخاص للأمين العام الأمميّ، السيد برنارد دينو ليون.

لم يتمكّن العقيد الليبيّ من شراء صمت الفواعل غير الرسمية للمجتمع الليبيّ بعد اندلاع الثورة التونسية، وقد حشدت المعارضة الليبية في الخارج كافة جهودها للتواصل مع المعارضة في الداخل، لإطلاق ثورة (17 فبراير 2011) للخلاص من نظام العقيد معمر القذافي، ووأد سيناريو “ثوريث” نجله سيف الإسلام القذافي ( )، وأمام الضغوط الدولية والداخلية الملحة، بدت الجزائر أكثر وضوحا في تجنيب نفسها التدخّل في الشؤون الداخلية للجارة الشرقية، وأمام اتهامات تفتقد للأدلة بوجود دعم جزائريّ للنظام الليبيّ تحت عنوان اتفاقات التعاون الأمنيّ المبرمة بين طرابلس والجزائر طوال خمسة عقود خلت، إضافة إلى استضافة الجزائر عائلة العقيد القذافي مع بداية الثورة، حافظت الجزائر على سياساتها الإقليمية تجاه دول الجوار، محتفظة بحقّها في ترتيب خططها للسلامة الأمنية والتنظيم العسكريّ داخل حدودها، وهو ما توجته ميدانيّا بزيادة منطقتين عسكريتين خمسة وسادسة، بعد أحداث مالي وليبيا.

الجزائر والسياسات الإقليمية لدول المنطقة

لطالما كانت القاهرة والجزائر، منافستين قويتين لطرابلس الغرب في الزعامة الإقليمية، فقد بنا العقيد القذافي الدولة الليبية على أساس دستوريّ هشّ، وبناء عسكريّ أمنيّ غير تطوّر، يميل إلى الطبيعة القبلية للمجتمع الليبيّ، فبدل صرف مليارات الدولارات على تجهيز جيش كلاسيكيّ ليبيّ يتولى الدفاع عن السيادة الليبية، استعاض القذافي عن ذلك بكتائب أمنية متشدّدة تجاه الخصوم من المعارضة الليبية، ودفع مليارات الدولارات لشراء ذمم الساسة الأفارقة، وعقد عشرات الاتفاقيات من التعاون الأمنيّ السريّ معها. وأمام هذه التركيبة “الجماهيرية” الشاذة عن كلّ التصنيفات الدستورية، أدركت الجزائر والقاهرة، أنّ ليبيا الجديدة، ستكون مصدرا مؤكّدا للتهديدات الأمنية بعد انهيار العقيد القذافي، ولا أدلّ على ذلك، ما تتخذه الجزائر من إجراءات عسكرية مشدّدة تجاه الجماعات الإرهابية المسلحة في ليبيا، والتدخّل العسكريّ المصريّ في درنة، انتقاما من اغتيال تنظيم الدولة “عاش” لعدّة عمّال مصريين على الأراضي الليبية، دون التنسيق مع طرابلس أو أيّ فصيل معارض لها. 

تتميّز الجزائر عن بقيّة الدول المغاربية، بحدودها المشتركة “مع جميع الدول المغاربية”، وباعتبارها أهمّ دول الجوار الليبي والدولة المغاربية “الجامعة” – بالمفهوم “الجغرا-سياسيّ” للمصطلح -، لم تتمكن الدبلwertwوماسية المغربية من عزل الجزائر في مفاوضات الصخيرات بين الفرقاء الليبيين برعاية الأمم المتحدة، يسمى هذا المحدّد “قوة المكان” كما يسمّيه الجغرافي المصري الراحل جمال حمدان، والتي يبني على أساسه صنّاع القرار الجزائريّ ترتيباتهم من أجل صوغ سياسة خارجية تحقّق أهداف الدولة الجزائرية بما يتلاءم والتحولات التي يعرفها القطر الليبيّ الشقيق. غير أنّ عهد مراجعة تاريخية لعقيدة الجيش الجزائريّ والسياسة الخارجية الجزائرية، حيال عدم التدخّل في شؤون الدول، جعلها دورها مستمرا في التأخّر، مقارنة بالتدخّلات السياسية المؤثّرة للدول الخليجية، التي تفصلها عشرات الأميال والكيلومترات الجغرافية عن طرابلس وبنغازي، خاصة الدوحة والرياض وأبو ظبي.

لقد فشلت الرباط في تحييد الجزائر في مفاوضات الصخيرات، مع ملاحظة أساسية أخرى، وهي التعويل المغربيّ المستمرّ على الدعم الغربيّ – خاصة من قصر الإيليزيه – للدبلوماسية المغربية، واستمرار تهميش باريس للإتحاد الإفريقيّ في القضية الليبية، منذ اندلاع ثورة (11 فبراير 2011)، الإتحاد الإفريقيّ الإطار الجماعيّ الذي تستند عليه الدبلوماسية الجزائرية بشكل كبير، أضحى بحاجة إلى إصلاحات عاجلة،حتى يتمكن الأفارقة من فرض الاتفاقات والقوانين الإفريقية للتعاون الإقليميّ، من أجل ضمان سلامة سيادة الدولة الليبية، “الدولة المحورية” إبان فترة حكم العقيد الليبيّ الرحال معمر القذافي. 

تعقيدات الملف الليبيّ، واستمرار تغييب الاتحاد الإفريقي.. 

تعتبر (جنوب إفريقيا، مصر، الجزائر، نيجيريا، إثيوبيا)، أكبر الدول “الوكلاء الخمس” في الاتحاد الإفريقي، التي تسيطر عمليّا على أجهزة الاتحاد الإفريقي، لما تمتلكه من قوة ناعمة، ناجمة عن تراكب: المحدّدات الجيوسياسية، القدرات الاقتصادية والمالية، الكوادر والإطارات الدبلوماسية، العلاقات المتميّزة مع مختلف القوى الدولية والمنظمات الدولية والإقليمية .. وغيرها، مع فكرة “وجود منظمة سياسية إقليمية تسمى الاتحاد الافريقي”، ذات شخصية قانونية واضحة المعالم. وفي غياب ليبيا التي فقدت دورها المؤثّر بعد رحيل القذافي، وتجميد المغرب عضويته في الاتحاد الافريقي منذ سنة 1984 (بسبب سياسة الكرسي الشاغر)، تعتمد الدول الغربية على الدول الوكلاء الخمس، بشكل كبير، لتحديد ملامح قارة إفريقية “شبه موحّدة” في مواجهة التهديدات التي تواجهها المصالح المشتركة في القارة الإفريقية البكر.

لقد كان موقف وزير الخارجية الجزائري المكلف بالعلاقات المغاربية والوطن العربي وإفريقيا السيد عبد القادر مساهل حيال تلك المحاولة الليبية على وضوح تامّ تجاه الرأي العام الجزائري، فالجزائري يشهد ظاهرة غريبة مفادها أنّ الإعلام المسموع أفضل بكثير من التلفزيون الرسميّ في مستويات طرحه للقضايا الحساسة على الصعيدين الداخلي والخارجيّ، فقد خاطب مساهل الجزائريّ من خلال الراديو، قائلا أنّ الجزائر شهدت 11 لقاء سريا بين الفرقاء الليبيين، بعيدا عن الإطار الأمميّ للمفاوضات في الصخيرات.

لا أريد أن أتحدّث كثيرا عن التجاذبات والنزعة التنافسية بين الجزائر والرباط، والتي كانت واضحة في النزاع المالي أيضا، حين حيّدت الرباط الجزائر في مفاوضات الماليين والطوارق المتنازعين في كيدال شمال مالي، على حدود الجزائر؟؟، حيث يستحيل عزل الجزائر أو إخراج النزاع المالي من الاتحاد الإفريقيّ، إلاّ إذا أخذ التدخّل العسكريّ الفرنسيّ نفس الأسلوب الذي اتخذته التدخّل الفرنسي في إفريقيا الوسطى، بعد انعقاد قمة باريس- إفريقيا، في باريس، أياما قليلة بعد إقرار الأفارقة بعجزهم التام عن التدخّل العاجل لإنقاذ المسلمين من الإبادة في تلك الحرب الأهلية الأليمة، التي عجزت فيها منظمة التعاون الإسلامي -(المؤتمر الإسلاميّ سابقا)- عن لفت نظر هيئة الأمم المتحدة، إلى حتمية إقرار وتفعيل آليات التدخل الدوليّ الإنسانيّ، لحماية المسلمين في إفريقيا الوسطى، كما حدث في بورما التي لا تزال تعرف نفس العجز، إلى حدّ الآن. وأمام إدراك العواصم الغربية لأوضاع “العنف المتوطّن/ Endemic Violence” في القارة الإفريقية ( )، تبقى الجزائر غير مدركة بشكل كبير لتصورات القوى الدولية، ما لم تدرك تماما المصالح المختلفة التي تتأتى من الأدوار المتضاربة للدول الكبرى في المسرح الليبيّ الملتهب. 

ما هي المشكلة الليبية وما هي تفاصيلها، وكيف تراقبها الجزائر؟، السؤال الملحّ لهذا المقال، سيقودنا إلى تشخيص أوليّ لما حدث في هذا البلد العربيّ الذي وقع شكّل إقليمه مسرحا للأحداث الدامية للربيع العربيّ، تلك الثورات التي عرفت تدخّلات سافرة في الشأن الليبيّ، من قبل الدول الغربية ودول الخليج العربيّ، بعد تحييد الإتحاد الإفريقيّ، ناهيك عن نزعة الانتقام التي تتسم بها لغة خطاب بعض الفصائل الليبية تجاه الجزائر، واتهامها بالانحياز لكتائب العقيد القذافي قبل انهيار النظام الليبيّ، آنذاك لم يكن منطق الدفاع عن الشرعية حائلا دون فرض مشروعية التغيير التي فرضتها الثورات الشعبية ومعطياتها الجديدة في المنطقة، خاصة منطقة شمال إفريقيا (تونس، مصر، ليبيا)، إذ تقتضي المرحلة الانتقالية (المتلاشية، الغامضة، الهادمة/ البانية)، ترتيبات وجهودا دبلوماسية حثيثة لإشراك جميع الفواعل الليبية، تطلبت وقتا طويلا، لقد غلبت المطالب الفئوية والمناطقية والأيديولوجية، على المصلحة الليبية العليا، في بلد نفطيّ تشكلّ مداخيله رساميل ضخمة، تمّ استغلالها بطرق غير شفافة، إلى أن سجّل الأكاديميون الليبيون أشكالا جديدة من الفساد الجديد، الذي رافق تحولات ثورة (17 فبراير)، لقد تجاوزت فاتورة تجهيز مكاتب حكومة عبدالرحيم الكيب 13 مليار دولار تمّ إضافتها إلى أجور العماّل ومصاريف معطوبي وجرحى الثورة وتعويضات الشهداء، والتي تجاوزت نفاقاتها حدود العقلانية، وتعرف تسييرا غير شفاف لحدّ اللحظة.

شكّلت مرحلة رئيس الوزراء الليبي الأسبق علي زيدان، أكبر لحظات التوافق الليبي الجزائريّ، حيث قدّم زيدان توصيفا دقيقا لوزن الجزائر في حسابات طرابلس الدولية والإقليمية، ويذكرنا ذلك بما صرّح به المستشار مصطفى عبد الجليل عند قيادة للحكومة الانتقالية الليبية، وقد حدثت محاكاة بين سياستي عبد الجليل وزيدان حيال الجزائر، حيث صرّح المسؤولون الليبيون رسميا أنهم بحاجة إلى دعم الجزائر. وكان التنسيق العسكريّ والأمنيّ في سلّم الأولويات في تلك المرحلة، قبل أن تفرض الفصائل الليبية منطق الفوضى، والتي تمثّلت في الاختطاف السافر للسيد علي زيدان على يد إحدى المجموعات الهامشية للثورة، وقد كاد الرجل يفقد حياته مثلما حدث مع اللواء عبد الفتاح يونس، الذي شكّل مقتله فشل أول فرصة لإمكانية توحيد الجيش الليبي( )، بعد انهيار العقيد معمر القذافي، نفس المسعى الذي يحاول اللواء حفتر أن يفرضه بالقوة الآن، لقد أشار برنارد هنري ليفي – أحد مهندسي وداعمي “ثورات الربيع العربيّ”- إلى ظاهرة اعتماد “الضعفاء” على “الإرهاب” لفرض منطقهم أثناء ثورات الربيع العربي( )، حين ينتشر الفوضى بسبب فواعل سياسية غير عقلانية، لا تفقه من السياسة أيّ شيء، وقد تفرض واقعا سياسيا أسوا من الذي كان سائدا في عهد القذافي.

الهوامش والإحالات:

(*)ــ أستاذ محاضر، قسم العلوم السياسية، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، الجزائر.

([1])ــ عبدالرحمان شلقم، إفريقيا القادمة: دراسة في الفنّ والأدب والتاريخ الإفريقيّ (طرابلس: منشورات اللجنة الشعبية العامة للثقافة والإعلام، 1993)، ص. 138.

([1])ـ ـــــــــــــــــــــــ، اغتيال ليبيا (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1993)، ص. 339.

([1])ــ وين بوون، ليبيا – الأسلحة النووية: الابتعاد من الهاوية (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2008)، ص. 16.

([1])ــ حسن صبرا، نهاية جمهورية الرعب (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2013)، ص. 161.

([1])ــ إيان بريمر، بريستون كيت، الذيل السميك: أهمية المعرفة السياسية في الاستثمار الاستراتيجي (ترجمة: علي كلفت) (القاهرة: المركز القومي للترجمة، المشروع القومي للترجمة، المركز الثقافي الألماني، العدد: 1872، 2012)، ص. 173.

([1])ــ أيمن السيسي، ثورة 17 فبراير والوجه السرّي للقذافي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2011)، ص. 16.

([1])ــ برنارد هنري ليفي، الحرب دون أن نحبّها: يوميات كاتب في قلب الربيع الليبيّ (ترجمة: سمر محمد سعد) (دمشق: دار بدايات، 2012)، ص. 16.

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *