من سيحل اللغز العالمي المزمن؟

ketab4pdf-blogspot-com-nidam

قراءة في كتاب (النظام العالمي) لـهنري كيسنجر

بقلم: الشيخ أحمد البان

يثير هنري كيسنجر في كتابه (النظام العالمي)  الصادر حديثا (2016) مسألة مركزية في فهم جذور الصراعات والمواقف الحادة التي تحكم عالمنا اليوم، وذلك من خلال قراءة تاريخية وراهنة رصينة في طبيعة ومستقبل وعوائق النظام العالمي (الأسرة الدولية) التي تحاول الدول الكبرى من خلاله إدارة كوكب الأرض المختلف بشريا وبيئيا بل وثقافيا ودينيا.

ويأخذ الكتاب أهميته من موضوعه ومن شخصية كاتبه، فهنري كيسنجر سياسي أمريكي يهودي من أصل ألماني ظل منذ شبابه في عمق السياسة الأمريكية من خلاله عمله مستشارا للأمن القومي في حكومة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ثم وزيرا للخارجية في عهد الرئيس جيرالد فورد، وهو مهندس كثير من السياسات الأمريكية في العالم، حيث قاد سياسة الانفتاح الأمريكي على الصين، كما أن زياراته المكوكية بين العرب وإسرائيل هي التي أنتجت اتفاقية كامب ديفيد 1978.

يحكم كيسنجر من أول وهلة أنه “ما من (نظام عالمي) كوكبي فعلا سبق له أن كان موجود بالمطلق، وما يعد نظاما في زماننا تم اجتراحه في أوروبا قبل نحو أربعة قرون، في مؤتمر للسلام بمنطقة وستفاليا الألمانية، عقد دون انخراط بل وحتى علم أكثرية القارات أو الحضارات الأخرى”.

يناقش الكتاب في تسعة فصول وخلاصة جملة مسائل منها دور أوربا في تأسيس النظام الدولي التعددي وذلك من خلال قراءة تاريخية في عواقب الثورة الفرنسية وحرب السنوات الثلاثين، ومفهوم المشروعية الذي تمخضت عنه وكذا (سلام وستفاليا)، كما يغوص أعمق ليطرح موضوع سياق نظام توازن القوة الأوروبي ومآزقه التي مر بها ومن ثم انتهاؤه والمشروعية والقوة فيما بين الحربين ومستقبل أوروبا.

ويعرج كيسنجر على العالم الإسلامي متحدثا عن النظام العالمي الإسلامي كفلسفة للكون والحياة والسياسة ملتفتا نحو الماضي ليناقش موقف الامبراطورية العثمانية من النظام الوستفالي الأوروبي، موردا بعضا من رسالة السلطان محمد الفاتح إلى بعض المدن الإيطالية التي مارست طبعة مبكرة من التعددية في القرن الخامس عشر الميلادي، يقول السلطان فيها:”أنتم عشرون دولة، أنتم مختلفون فيما بينكم، يجب أن لا يكون هناك سوى امبراطورية واحدة، عقيدة واحدة، وسيادة واحدة في العالم”. يتضح من خلال هذه الرسالة أن الدولة العثمانية لم ترى في المبادئ الوستفالية أنموذجا بل عدتها مصدر شقاق قابل للاستغلال من أجل خدمة أطماعها التوسعية في الغرب

ومن التاريخ يعود كيسنجر للحاضر كي يقدم تفسيران فلسفيان للمد الثوري للحركات الإسلامية، وكذا الربيع العربي والزلزال السوري ـ كما سماه ـ، ثم يختم الفصل بالحديث عن الدور المفترض وواقع المملكة العربية السعودية وكذا انحطاط الدولة كمفهوم وكيان في العالم العربي.

ويضع كيسنجر إيران في مقابلة الولايات المتحدة مناقشا مقاربتيهما للنظام العالمي، متحدثا عن تراث فن إدارة الدولة الإيراني ومارا على ثورة الخميني وكذا المشروع النووي الإيراني، ثم يتحدث عن العولمة الأمريكية التي يسميها (خدمة للبشرية كلها)، ويفصل في التصور الأمريكي للنظام العالمي وتطور السياسة الخارجية الأمريكية من اعتبار أمريكا قوة عالمية متفوقة فقط في عهد تيودور روزفلت إلى كونها (ضميرا للعالم) في عهد وودرو ولسن، بما يعنيه ذلك من تحول في الرؤية من الإخضاع العسكري إلى الإخضاع الثقافي والهيمنة من خلال العولمة.

وفي فصل خاص يناقش كيسنجر (تعددية آسيا) ويقارن بين تصورها وتصور أوروبا للنظام العالمي، ثم يدرس كلا من الهند واليابان بوصفهما قوتين بشريتين وصناعيتين آسيويتين، مقارنا بين النظام الآسيوي وبين الصين كقوة متفردة بثقلها السكاني والصناعي وبثقافتها المنغلقة على ذاتها.

وفي فصل أخير يناقش كيسنجر مفاهيم مثل: التكنلوجيا، التعادل، الوعي الإنساني، ثم يثير موضوع الانتشار النووي وتكنلوجيا المعلومات والسياسة الخارجية في الحقبة الرقمية، ويختم المؤلف بخلاصات ومقترحات حول تطوير النظام الدولي، ليختم بعنوان يطرح سؤالا ينفتح على المستقبل، هو: إلى أين نحن ذاهبون من هنا؟

يقرر كيسنجر بعد نقاش وتحليل واستشهادات طويلة على مدى 400 صفحة من الحجم شبه الكبير أنه من أجل إرساء نظام عالمي قابل لاستيعاب البشرية لا بد من مقاربة قائمة على:

 “.. احترام تعددية الحالة الإنسانية من جهة والبحث الإنساني المتجذر عن الحرية من جهة ثانية (…) لا بد للمنظومة أن تعكس حقيقتين: النظام بلا حرية، وإن دام جراء حماسة عابرة لا يلبث أن يتمخض عن نقيضه، ومع ذلك فمن غير الممكن ضمان الحرية أو تدعيمها في غياب إطار نظامي حافظ للسلم. لا بد من فهم النظام والحرية اللذين يتم أحيانا اعتبارهما طرفي نقيض في طيف التجارب، على أنهما عنصران مستقلان”. ص17

ولكن كيسنجر الذي يقدم هذا المقترح يدرك صعوبة تحقيقه، فيقول في ختام مقدمة كتابه:”.. اللغز الذي يتعين التغلب عليه لغز تتقاسمه سائر الشعوب؛ لغز كيفية إذابة جملة من التجارب التاريخية والقيم المتباينة في بوتقة نظام مشترك.”. ص19

“ليس تاريخ أكثرية الحضارات إلا حكاية صعود امبراطوريات وسقوطها”، بهذه العبارة يستأنف هنري كيسنجر حديثه عن نشأة ومسارات النظام الدولي التعددي في أوروبا، وكذا الخلفيات التي تحكمت فيه، ويناقش كيسنجر في هذا الفصل من كتابه (النظام العالمي:تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ) هذا الموضوع بعمق يجمع إلى الفلسفة والتاريخ نظرات ثاقبة في علم الاجتماع السياسي، ويبين من خلاله أن النظام الدولي القائم تأسس في أوروبا أولا.

يجعل كيسنجر في تحليله  لنشأة النظام الدولي في أوروبا من (سلام وستفاليا) منطلقا حاسما، حيث تحولت به أوروبا من نظام سياسي إلى نظام آخر، ويعني (سلام وستفاليا) تلك المعاهدة التي تم توقيعها في عام 1648 في مونستر (ألمانيا)، وأدت إلى انتهاء حرب الثلاثين عاما (1618 ـ 1648) والتي كانت بسبب الصراعات المختلفة بشأن دستور الإمبراطورية الرومانية المقدسة ونظام الدولة في أوروبا .

كان الصراع أيضا قبل وستفاليا قد اشتد بين الكاثلوكية والبروتستنية مما يعني أنه لا يمكن أن يحكم أوروبا نظام واحد، لذلك جاء (سلام وستفاليا) إذا كردة فعل على تحكم الامبراطورية، ما يعني تجاهل التعددية السياسية والدينية والاجتماعية لأوروبا، وكان من نتاجه الاعتراف بهذه التعددية في مستوياتها كلها، يقول كيسنجر: “شكل (سلام وستفاليا) منعطفا في تاريخ الأمم، لأن العناصر التي أوجدها كانت كاسحة بمقدار ما كانت خالية من التعقيد، الدولة ـ لا الامبراطورية أو السلالة أو العقيدة الدينية ـ تأكدت بوصفها وحدة بناء صرح النظام الأوروبي. جرى ترسيخ مفهوم سيادة الدولة، جرى تأكيد حق كل طرف موقِّع في اختيار بنيته الداخلية الخاصة وتوجهه الديني بعيدا عن أي تدخل، فيما كانت بنود جديدة ضامنة لتمكين الأقليات الطائفية من ممارسة شعائرها بسلام وبعيدا عن احتمال الهداية القسرية”. ص35

نبه كيسنجر إلى خاصية في علم الاجتماع السياسي الأوروبي جديرة بالتأمل من أجل الاستفادة منها لحل بعض ارتدادات سياسات العولمة الأمريكية، تلك الخاصية هي، أن قوة الإسلام والصين تاريخيا كانت مستمدة من النظام العام (الشريعة بالنسبة للإسلام، كما بالنسبة للإسلام فإنه احتضن الانقسامات واستوعب الأعراق والإثنيات في تناغم هو الذي ولد حضارته الشاهدة العظيمة) في حين كانت قوة أوروبا مستمدة من (التعددية) والقدرة على احتضان الانقسامات، يقول: “في الصين والإسلام كانت الصراعات تخاض من أجل التحكم بنوع من الإطار النظامي القائم، كانت السلالات الحاكمة تتبدل، إلا أن كل مجموعة جديدة كانت تدعي استعادة نظام شرعي كان قد تعرض للتعطيل والشلل، أما في أوروبا فإن نظاما كهذا لم يترسخ، فمع انتهاء الحكم الروماني صارت التعددية هي السمة المميزة المحددة للنظام الأوروبي، فكرة أوروبا ظلت تسمية جغرافية” ص20.

أسهم إنشاء بعض المصطلحات السياسية وإعادة تعريف أخرى في ترسيخ مبادئ وستفاليا، فدخلت المجال السياسي مصطلحات مثل (سبب وجود الدولة) و(المصلحة القومية)، وقد ظهرا هذه المرة لا ممجدين للسلطة ـ كما كان قائما ـ بل محاولين عقلنتها وتقييدها، كما تم فضح مصطلح (توازن القوة) الذي كان مجرد تحسين لابتزاز الحروب الدينية، وكانت الدول الأكثر استقرارا وقوة تقوم من خلاله بسحق المنافس كلما فطنت لقوته تتعزز، كما يقوم بسحق الضعيف إذا ظهر أنه يطمح للالتحاق بركب الأقوياء.

“كان ثمة في الحقيقة توازنان للقوة تمت إدارتهما في أوروبا بعد التسوية الوستفالية : التوازن الشامل الذي تولت فيه انكلترا دور الوصاية، كان حامي الاستقرار العام، وأي توازن في أوروبا الوسطى خاضع أساسا لتحكم فرنسا كان يهدف إلى الحيلولة دون انبثاق أي ألمانيا موحدة في وضع يمكنها من أن تصبح الدولة الأقوى في القارة” ص41.

استطاعت المبادئ الوستفالية أن تنقل (توازن القوة) من كونه (واقعا) إلى كونه (نظاما)، إنه حينما يصبح نظاما فإن الأمن يمكن أن يتحقق، أما حينما يظل واقعا فقط فإنه سيظل يدفع كل الدول إلى بناء قوتها بعيدا عن الأنظار لأنها تتوقع أن تكون ضحية الدولة الأقوى التي تريد أن توازن من خلال إضعاف الآخرين قوتها كقوة مسيطرة.

هذا التوازن الذي تحول (نظاما) بفضل المبادئ الوستفالية هو ما دفع بعض المراقبين لتسميته بـ:(الاعتدال الكبير)، والحقيقة أن تلك التعددية أسهمت في احتضان الانقسامات والاختلافات الدينية والاجتماعية والفكرية بين الشعوب الأوربية وتجنيب أوروبا الصراع والتمزق منذ ذلك الحين إلى اليوم، وربما بفضل ترسخها استطاعت أوروبا أن تؤسس (الاتحاد الأوروبي) لتجمع فيه قوتها وتتفهم تناقضتها في نفس الوقت.

يؤسس كيسنجر قاعدة في علم السياسة تقول إنه:”في أي فترة غليان عام، يكون البلد الذي يحافظ على سلطته الداخلية في وضع يمكنه من استغلال الفوضى في الدول المجاورة وتوظيفها لخدمة أغراض دولية أكبر.” ص29.

حاول لويس الرابع عشر أن يتحدى النظام الأوربي القائم على التعددية كما أقرتها مبادئ وستفاليا لكن جحافله لم تستطع هزيمة المرونة السياسة للمنظومة الوستفالية، يقول:”حاول لويس الهيمنة باسم مجد فرنسا، إلا أنه هزم من قبل أوروبا التي رأت نظامها في التنوع”، وبذات السبب حاصرت أوروبا طموحات نابليون بونابارت.

لقد أذاقت أوروبا المنتفضة من أجل تعدديتها والرافضة لعهد الامبراطورية نابليون بونابارت طعم الهزيمة لأول نمرة حين اتحدت ضده في معركة بلايبيزع 1813، لقد هزم النظام الدولي الأوربي نابليون الذي حاول تقويضه بطموحه اللامحدود.

لم يتسطع كيسنجر التخلص من أمريكيته وأوربيته وذهنية الصراع مع روسيا، فختم هذا الفصل بقوله:”.. غير أن هذه الروح العالمية كانت قد جرت إلى قلب أوروبا قوة جديدة بالغة الضخامة ـ هي من أوروبا ولكن ثلاثة أرباع مساحتها الشاسعة في آسيا: روسيا الامبراطورية التي قامت جيوشها بمطاردة نابليون مقطعة الأوصال عبر القارة وصولا إلى احتلال باريس في نهاية الحرب.”

وإذا كانت أوروبا استطاعت إنقاذ ذاتها من حرب الثلاثين عاما بـ :(معاهدة وستفاليا) التي أكدت على تعدديتها الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية، فهل ستدرك أنها اليوم بحاجة إلى (وستفاليا) جديدة من أجل التصالح مع ذاتها المسلمة والمسيحية والدينية والعلمانية قبل أن تندلع فيها حرب أخرى ربما تزيد أعوامها على الثلاثين؟

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز

http://islamonline.net/18155

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *